أئمة الغش والفتنة والضلال

رغم أن محاكمات أعضاء الخلية الموقوفة قد تم إسدال الستار على أول فصولها بتبرئة البعض لعدم كفاية الأدلة، وهو ما فسّره العديد من المحامين والقانونيين بعدم سقوط الفعل، وحيلولة قلّة الأدلة دون المحاسبة الحقيقية على الجرم المفترض، وإدانة المحكمة للبعض الآخر من الخلية إدانات صريحة، بسبب وفاء الأدلة بما يستوجب الحكم العادل من مؤسسة القضاء التي حرصت كل الحرص وأفلحت في التأكيد على دولة قانون، فإن بعض من أطلق عليهم التنظيم الإخواني المتأسلم، الذين ينتمون إليه، لقب «علماء» و«شيوخ دين»، لم يعجبهم هذا التعامل القانوني الراقي الذي جسّده القضاء الإماراتي بما لا يدع مجالا للشك في استقلاليته التامة عن بقية مؤسسات الدولة، ومناعته الطبيعية المذهلة ضد تلقّي شحنات الإثارة الإعلامية المتدفقة عن مختلف الوسائط، ليبادروا بانتقاد الدولة وحكم القضاء، ويحاولون المزايدة على الوطن وقادته وشعبه من خلال قضائه العادل، وهو أمر غريب!

من أبسط مقومات العَالِم أو شيخ الدين حياديته التامة التي تفرض عليه وزن الأمور بما يقره الكتاب والسنة والأثر، لا الميل نحو كفة الجهة التي ينتمي إليها وينتفع من وجودها وتقوية شوكتها، ويناصرها ظالمة ومظلومة. ولم يذكر هؤلاء «المشايخ الإخوانيون»، واقعة الرجل الذي فرضت عليه طبيعة قضيته دفع مبلغ تأمين للمحكمة رأى أنه يفوق طاقته، فتوجه إلى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، ليلغي له هذه الرسوم، أو على الأقل يأمر بتأجيلها، فما كان من الشيخ محمد إلا أن أمر بمنح الرجل مبلغاً مالياً يسد حاجته ويزيد، ولم يتدخل أبداً في شؤون القضاء وهو في قمة هرم السلطة. ولم يذكروا تلك المحطات البارزة التي حاكم فيها القضاء الإماراتي أفراداً من علية القوم وكبار الأسر، ضد أشخاص عاديين، مواطنين وغير مواطنين، وحاكم فيها مؤسسات رسمية وغير رسمية بشكاوى من أفراد عاديين أيضاً، ولا عن تحويل الدولة التي قامت على فكر مدرسة زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، مفهوم القضاء التقليدي الضيّق إلى الأفق المجتمعي العام، وتهيئة المحكمة للانتقال من مفهوم النيابة والقاضي والخصوم والمحامي، إلى مؤسسة اجتماعية تربوية تدعم حركة النهضة المجتمعية، وتبثّ الوعي قبل أن تحكم، وتفرد في تكوينتها الأساسية أقساماً فاعلة للإرشاد الأسري والوعي المجتمعي، وتقوم بتثقيف الشباب قبل الإقبال على الزواج لتمكينهم من تكوين أسر مستقرة تؤدي لمجتمع معافى لا يحتاج المحكمة التقليدية سوى في الشؤون الحياتية الضرورية التي تتطلب الذهاب للمحكمة، كطالب خدمة أو مقدمها، لا كمتهم وخصم.

فهجوم أولئك العلماء الإخوانيين جاء هرباً من الإحباط العام الذي تعانيه الجماعة في مختلف منابتها، والصدمة المذهلة التي أفرزتها أفكارهم المختلة التي وظّفوها لمصلحة التنظيم الإخواني الذي أمسى الآن وفي بلد المنشأ زبداً يذهب جفاءً، بعدما اكتشف الكل إفلاسه التام عن امتلاك أية حلول سياسية أو فكرية أو حتى عقائدية، وعدم امتلاكه أفقاً لمتطلبات كرسي الحكم، الذي تفانى في تقديسه، وما زال يتخذ من أوهام العودة إليه حائط مبكى تناثرت أجزاؤه المهترئة في هذا الميدان أو ذاك، وتعالت أصوات شيوخه باستهداف بلدهم في فرفرة مذبوح يائسة، بعدما أصيبوا بخيبة أمل كبيرة. فجموع الشعب في مختلف دول المنطقة رحلت عن أعينها غشاوة فتاواهم التي كانوا يهندسونها على عجل في فترات استعجال التمكين الإخواني بالمنطقة، حينما كان التنظيم في أقوى حالات قوّته التي بدلا من استثمارها في تحقيق شعاراته البراقة التي خدع بها عموم الناس حينما كانت معرفة خفاياه وحقائقه أمراً عسيراً، واستغلها في إثارة حميم الجحيم العربي الذي قضى على الأخضر واليابس، وقاد المنطقة برمّتها إلى مستقبل عنوانه المصير المجهول.

انقلب السحر على الساحر بعدما اكتشفت الشعوب زيف الحقائق، وانقلبت ثورات الجحيم العربي في محاولات التحوّل لربيع حقيقي، ليضحي الربيع الذي أثاره وصنعه التنظيم الإخواني المتأسلم، كدجاجة تشرب بيضتها، وقطّة تقضي على بنيها، فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله، وبحدوث الانهيار العام لجماعة الإخوان المتأسلمين في كل مكان، وقفت الإمارات بمنأى عن ذلك الدمار الذي حاولوا إحداثه على سطح أيّ أرض وطؤوها، وبانت تركيبتهم العدوانية التي غذّتها عوامل عديدة كمتطلبات الانتماء الماسوني الذي تشكّل الجماعة الإخوانية أحد أضلعه الأساسية، لدرجة أنها استقت منه الاسم بعد الترجمة، فكلمة ماسون تعني إخوان كما فسّرها أحد أهم صابئي التنظيم وصاحب كتابي «سر المعبد» و«أئمة الشر»، المحامي والقيادي الإخواني السابق ثروت الخرباوي في إحدى ندواته بالدولة. فالإمارات التي بقيت في معزل عن الخراب الإخواني، وتعاملت مع تحركاته التخريبية بحزم وقانونية، ظلت صامدة بفضل سياساتها الواعية وحكمها الرشيد الذي تمكّن من عبور هذا المطب التاريخي للمنطقة بحنكة واقتدار، وهو ما أغاظ علماء فبركة الفتاوى الذين كانوا يحاربون هذا النموذج ويسعون لرسم صورة ذهنية مغايرة لتشويهه في مفاهيم الآخرين، في محاولاتهم التهجم على الشعب وقياداته وشخص قضائها المستقل العادل، متناسين أن هذا القضاء الذي ينتقدونه هو ملك للشعب الإماراتي وجزء لا يتجزأ منه، ويكفي أنه يشاركه اسم الإمارات وجنسيتها وانتماءاتها المتعددة.

والمضحك في الهجوم الاستهدافي من تلك الشرذمة المحسوبة على علماء المسلمين، أنه جاء بدافع عدم منح القضاء منتسبيهم البراءة، لا لأن القضاء لم يعدل! متناسين أو جاهلين بأن الحكم الحقيقي في الإمارات ليس حكم المحكمة وحدها والمقيدة بنصوص القانون وكفاية الأدلة، ولكنه حكم الشعب الذي لمس وعانى خطر هذه الخلية، وحكم عليها قبل حكم المحكمة حكماً نافذاً لا يقبل النقض والتراجع، وهو حكم استند على الشعور الشعبي العام بفداحة ما ارتكبه المستهدفون، فمن السهولة على المرء اكتساب ثقة واحترام وتقدير وحب المجتمع، لكن من العسير جداً إعادة تلك المكتسبات حال فقدانها، وهو جوهر ما يعانيه أفراد الخلايا الإخوانية.