آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه

بقلم: علي سالم

في منطقة هادئة من اماراتي الجميلة كنت جالساً لوحدي اتدبر في حكمة ربي عز وجل، طلبت من النادل القهوة ثم استأذنته في استخدام الحاسوب.

انها العاشرة مساء، في اماراتي الحبيبة، ليل هادئ، أمن وامان، ما اجملها من دولة، ما اروعها من ليلة، تذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا" - رواه البخاري في "الأدب المفرد" (رقم/300) – فقلت الحمد لله رب العالمين.

نظرت في رسائلي البريدية فوجدتها كثيرة، لكنها مفيدة، شكرا لكل من يراسلني، وينصحني، ويرشدني، ويساعدني، فنحن في النهاية ابناء زايد، نتعاون على الخير، فننصح بأدب، وننهي بأدب، ونأخذ بيد الظالم على ظلمه بأدب، ونوضح بأدب، فلا نشخص ولا نسفه ولا نحقر، لاننا ابناء زايد.

نقدم الخير، ونحسن الظن، ونعرض على الجاهل ونرضى بالحوار متى ما لازم أدب الحوار ذلك اننا ابناء زايد.

ولهذا طمع فينا من طمع، فظن السكوت والحلم والكرم والإعراض ضعفا وجبنا، فتمادى في سوء عمله ونفخ فيه الشيطان حتى ظن نفسه من "شعب الله المختار"، فالجنة لهم والخير لهم والرحمة لهم والمغفرة لهم والدعوة هم اهلها والمكلفون بها والحامون حماها، اما الاخر فانه عميل مرتش فاسق كافر قابع في النار.

سكتُّ فَغَرَّ أعْدَائي السُّكوتُ... وَظنُّوني لأَهلي قَدْ نسِيتُ

وكيفَ أنامُ عنْ ساداتِ قومٍ... أنا في فَضْلِ نِعْمتِهمْ رُبيت

وإنْ دارْتْ بِهِمْ خَيْلُ الأَعادي... ونَادوني أجَبْتُ متى دُعِيتُ

بسيفٍ حدهُ يزجي المنايا... وَرُمحٍ صَدْرُهُ الحَتْفُ المُميتُ

(من شعر عنترة)

قد آن الأوان اليوم لان نريح الحلم والكرم والعفو قليلا وان نعري كل من يحاول ان يتخذ الشعارات والاسلام طريقا لقلب نظام الحكم وهو الامر الذي قاله القرضاوي (الاخوان المسلمين) بلسانه بان من سبل قلب نظام الحكم في زمننا هذا هو ان نحصل على اكبر قدر ممكن من المقاعد في البرلمانات لكي نسيطر عليها ثم بعد السيطرة نقوم بتغيير ما نريده من المواد في الدستور ونقلب نظام الحكم. واقول هنا هل المكر والتآمر والخديعة من سنة الرسول في شيء؟

وهذا ما يردده الاخوان المسلمون في الامارات (دعوة الاصلاح) فهم تركوا هموم المواطن ونفخوا في "المجلس الوطني" وقالوا فيما قالوا بان حلول هموم المواطن من اصلاح المجلس الوطني. وهذه كلمة حق يراد بها باطل بدليل بان هموم المواطنين يمكن ان يقوم به اي عضو منتخب عن إماراته يستطيع ان يعرض ما يريد ويتحدث فيما يريد ولا يحتاج الامر الى "اغلبية مسيطرة" للقيام بهذا الامر، ولا نحتاج في مجلسنا الوطني (الثلث المعطل) ايضا الذي سيتحكم في تمرير اجندة المرشد الاعلى وتنفيذ اجندته من الداخل وهي الامراض الخبيثة التي تعاني منها بعض المجلس والبرلمانات.

وقد شدني قبل ايام مقال لاخي محمد سيف سيف بعنوان "الحيادية الزائفة للإخوان المسلمين ومن ناصرهم"، وقال فيما قال فيه "بان الاخوان المسلمين عمدوا إلى إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي على أنها مواقع مستقلة"، وقال ايضا "بان هذه الصفحات التي يظن أصحابها أنهم قد حازوا من الذكاء المفرط حظا وافرا هو في حقيقة الأمر غباء مركب، واضح لنا وضوح الشمس في رابعة النهار، فلا حيادية ولكن مكر ظاهر، وما تكنه صدورهم بارز لا محالة"، وقال ايضا فيما قال "بان من الصفحات التي تسير على ذات النهج، وهذا الأنموذج هو صفحة (ابن خلدون)، اسم كبير وفكر ضرير، وصاحبنا المعاصر وليس الغابر حاشا لله".

توقفت كثيراً عند هذا المقال، توقفت متأملا لا مستغرباً، لانني اذكر فيما اذكر بانني قبل اشهر مضت لاحظت هذا الاسم البارز لعالم بارز (ابن خلدون) فما كان مني في وقتها الا وان تذكرت ما روي في الاثر - بان الإمام أبو حنيفة كان جالساً يقرأ درساً على طلابه ومستمعيه فإذا برجل ذي هيبة وتبدو عليه سمات الوقار يقترب من مجلس ابو حنيفة، فضم ابو حنيفة قدميه احتراماً لذلك الرجل – فقمت بضم قدمي احتراما لهذا الاسم الكبير.

ولكني لاحظت تجمع الاخوان المسلمين عند هذا العالم الكبير (ابن خلدون) ولاحظت بان كلا منهم يطبل للثاني وكانوا حينها يتحاورون في عنوان "العبودية"، واذكر حينها بانني طلبت الانضمام للصفحة ولكنه لم يتم اضافتي فما كان مني الا وان كتبت الى عارف اليديوي وطلبت منه "التوسط" لي عند صاحب الصفحة لكي يقوم باضافتي لاني ارغب بالتعليق على الموضوع وكان رد عارف في حينها بانه لا يعرف صاحب الصفحة، ولا اعرف ان كان صادقا في قوله ام كان يتخذ معي التقية الاخونجية.

ثم بعد قراءتي للمقال قلت في نفسي لماذا لا احاول من جديد في طلب العضوية للصفحة من اجل التحاور مع كوكبة الاخوان المسلمين في صفحة (ابن خلدون)، فتقدمت بالطلب من جديد على امل ان يتم القبول بعد الضربات التي تلقتها قيادات الاخوان المسلمين في الفترة الاخيرة وافتضاح امرها وانسحاب البعض منهم من التويتر نهائيا، عوضا عن فشل الكثير منهم في الحوار من امثال محمد الركن ومحمد المنصوري وصالح الظفيري وجمعه درويش الفلاسي وسعيد حارب ومارية البلوشي، فكلهم قد حاورتهم فمنهم من صبر ساعة ومنهم من صبر دقيقة وسانشر تلك الحوارات في سلسلة بعد فترة ان شاء الله.

قلت ان كان اخي محمد سيف يقول فيما يقول بان موقع "ابن خلدون" يحاول ان يستقطب الجميع ويظهر نفسه الان بانه محايد فلنطلب العضوية من جديد ونتحاور معه لنرى علمه – فتمت الموافقة.

وقد شدني في صفحته موضوع المجلس الوطني وهو حديث شيق يتداول اليوم على لسان الكبير والصغير خصوصا الشق المتعلق "المطالبة باصلاحات للمجلس الوطني ومنحه صلاحيات تشريعية ورقابية... الخ". فهذه الجملة اصبحت لدى البعض اليوم ترطيبا للسان بدل "الاستغفار والاذكار".

واذكر فيما اذكر عند دراستي لعلم النفس بان هناك ظاهرة يمكن ان تسميها بـ "الموج" وملخصها بان شخصا واحدا يقول جملة ويقوم الكل بالتأييد والحديث بنفس حديثه ولكن "دون فهم" فهو مجرد تكرار للكلام، واذكر فيما درسته بانه لتعرف هل من تخاطبهم هم الموج الفارغ الذي مهما بلغت قوته فان مصيره الانحسار ام هو البحر فان عليك ان تسأل سؤالا بسيطا يتعلق بالتفاصيل، فان كان بحرا سيجيبك على اسئلتك وستعرف اي بحر من البحار هذا وما في قاعه، اما ان لم يستطع الاجابة والتفصيل فاعلم بانه موج فارغ مصيره الانحسار مهما بلغت قوته.

وعلى ذلك المنهج بدأت المشاركة، فقرأت اولا التعليقات فوجدتها بانها توحي بانها امواج وليست بحارا، ولكني آثرت ان اشارك في الحوار ولا اظن بهم، حتى ان كتبت لاحقا اكتب بحق اليقين لا بعلم اليقين.

فقلت لهم فيما قلت التالي

1. سؤال اخواني هل يهمكم الشكل ام المضمون؟ بمعني هل تعانون من مشاكل في الوطن وترغبون ان يتم حلها ويصل صوت المواطن وتحل المشاكل ام ان الهدف شيء اخر لو يشرح احدكم ذلك يكون افضل... واي نموذج ترونه الافضل للدولة؟.... وكيف تريدونه ان يكون... بمعنى ارغب بان نتحدث قليلا عند "الهدف مما نريد" + "افضل النماذج لتطبيق هذا الهدف" لان بذلك نثري الحوار، اما الحديث متى ومتى وليش وليش وكيف وكيف اعتقد من وجهة نظري الشخصية ليست حلا - فقد تعلمنا في علم النفس بانك ان اردت الحل لاي مشكلة حدد اولا ما تريد ان تصل اليه ثم بعد ذلك سيسهل عليك وضع اكثر من طريق سيؤدي الى نفس النتيجة وفي بعض الاحيان يكون الطريق ابداعي لم يفكر به احد، المهم ان نحدد الهدف وبعدها يسهل الامر - فهل من مشمر لذلك ويوضح الهدف.

2. وارجو على كل شي نكتبه - مثل نريد ان يعطى هذه الصلاحية للسبب التالي - يبين الذي يريده والسبب لطلب هذه الصلاحية من وجه نظره.

3. قلت لابن خلدون قد سمعت مقالك وارغب بسماع مقال الاخرين ايضا لاجمع جميع الاجابات ثم نخرج بورقة ماذا نريد للمجلس ان يقوم به، ثم بعد ذلك سنبدأ في تفنيد الورقة ومناقشتها بنداً بنداً وهكذا لان الكلام العام بأننا نريد سلطة رقابية وتشريعية ومشاركة هو كلام مما يستطيع ان يقوله اي مواطن ترديدا لما سمعه من الناس والمرددين له ولكن هل قائله يحمل رؤية والفكرة واضحة عنده عندما يقول اريد سلطة رقابية هل يعرف ما الرقابة التي يرديها وعلى منْ ومنْ سيقوم بالدور وكيف هو الشكل وهل هذه الرقابة غير موجودة الان ام موجودة وبها نقص وهل المشكلة بانها موجودة وبها نقص ام بانها غير موجودة؟ وهكذا فارجوا ان يشارك الجميع لنستفيد - وارجوا ايضا لتعم الفائدة ان يختم الشخص قوله بمثال للشكل الذي يريده لنا لكي نتناقش في الشكل ايضا مثلا ان يقول القائل "النموذج الاميركي" هو الافضل لدولتنا..... الخ.... ثم ان كان هناك من بيننا من هو عالم بالدين هل له ان يلقى بضلاله على كلمة "ان يراقب ولي الامر ولا يتخذ ولي الامر شي الا بعد الرجوع للشعب + مصطلح الشعب يحكم" من الناحية الشرعية ويعطيني بعض الامثلة عليه من السنة النبوية ان كانت موجودة؟

4. ثم طلب مني "ابن خلدون" شرح بما اقصده بالنماذج فقلت له: اخي الكريم اي باحث للتطوير فانه يجري بحث ويكتب في بحثه "نماذج عالمية" وتكون قراءة لتلك النماذج فيقول بعدها بانه يقترح مثلا ان نطبق النموذج الاميركي (كاملا على الدولة) - وهناك باحث اخر لا يقوم بذلك بل يقوم بحصر تلك النماذج ثم يأخذ من كل نموذج ما يراه مناسبا ثم يخرج بنموذج جديد يكون خليطا من تلك ويقدم بحثه فهل يرى الاعضاء بان هناك نموذجا يطبق على الدولة ام انهم يقترحون نموذجا جديدا للحالة الاماراتية بأخذ اشياء من كل نموذج وما هي تلك الاشياء.

طبعا اسئلتي تلك كان هدفها اولا معرفة هل نحن نخاطب البحر ام الموج، فان كان بحرا استفدنا جميعا اما ان كان موجا اعتبرنا جميعاً، فالبحر هو الوحيد القادر على الاجابة على تلك الاسئلة لانه يمتلك علم ورؤية واضحة ويعلم عما يتحدث، اما الموج فهو مردد كالببغاء وسينحسر مهما بلغت قوته، اما الهدف الاسمى الذي كنت اسعى له هو ان نرتقي بحوارنا ويكون هادفا ويكون مستواه اكاديميا علميا منهجيا صحيحا – فماذا تعتقدون كانت اجابة "ابن خلدون" على تلك الطلبات؟

قال "ابن خلدون": البحث يكون في الامور التفصيلية وليس في الصلاحيات الممنوحة للمجلس او البرلمان فهذه الامور معروفة وواضحة حتى للانسان العادي في المجتمعات التي وجدت مثل هذه البرلمانات يعني مثلا المواطن الهندي العادي او الاندونيسي العادي لا يهمه البحوث التفصيلية انما المهم من كل ذلك ممارسة حقه من خلال انتخاب مباشر وحر لمن يمثله في مجلس بلده وايضا منح ذلك المجلس صلاحيات التشريعية والرقابية لوضع التشريعات التي مثلا في الامارات تقوم بها حاليا وزارة العدل بالتعاون مع الجهة المعنية ويعتمدها مجلس الوزراء وايضا الرقابة على الاداء السنوي لوزارة او جهة حكومية ما واداء الوزير عن كونه مسؤولا عن وزارته والمدير عن الهيئة المسؤول عنها.

وهنا تلاحظون بان رده يصنف الامور الى صنفين "مهم" و"غير مهم". فالغير مهم عنده هو التطرق للتفاصيل (وهذا الامر عندي انا شخصيا مهم لاعرف من احاور ونرتقي بالحوار ولكن عنده غير مهم)، اما المهم عنده فهو ترديد الشعارات والعناوين العريضة التي سبق ان تطرقنا لها مثل قوله "انما المهم من كل ذلك ممارسة حقه من خلال انتخاب مباشر وحر لمن يمثله في مجلس بلده... الخ".

وعليه فاني قد ختمت حواري ونقاشي في صفحته بهذه الجملة "بالنسبة لقولك (المواطن الهندي العادي او الاندونيسي العادي لا يهمه البحوث التفصيلية انما المهم من كل ذلك ممارسة حقه) - كلامك صحيح اخي الفاضل ولكني كنت اعتقد بان مستوى الحوار في الصفحة ليس مستوى مواطن هندي عادي بل يرتقي لفكر راق يجيز لنا ان نطلع بالتفصيل على كل ما نقول ورأي كل شخص منا والله من وراء القصد... بارك الله فيك".

وعلى هذا التعليق ختمت مشاركتي في هذه الصفحة وخرجت منها لان صاحب الصفحة قد اختار مستوى لصفحته (المواطن الهندي والاندونيسي العادي الذي لا يهتم للتفاصيل بل يهمه الشعارات) وهنا استذكرت قصة ابي حنيفة مع الرجل الذي كان ذو هيبة وتبدو عليه سمات الوقار، والذي اقترب من مجلس ابو حنيفة، فضم ابو حنيفة قدميه احتراماً لذلك الرجل، وبعد طول صمت تحدث الرجل وقال: يا أبا حنيفة متى يفطر الصائم؟ قال: عند غروب الشمس.فقال الرجل: وإن لم تغرب الشمس. فعلم ان هذا الرجل جاهل. فأبتسم أبو حنيفة وقال: آن لأبي حنيفه أن يمد رجليه.

وعليه اقول آن لي الآن ان امد رجلي ايضاً.

علي سالم

موقع "إماراتي وافتخر"

www.emarati001.com