آن الأوان لمحاكمة رموز الإعلام التقليدي

من المؤسف جدا أن تتحول ثورة الميديا إلى معول هدم لا بناء في أوطاننا العربية, وعلى وجه التحديد في دول الخليج العربي, فالإسراف في التفاعل السلبي من خلال مواقع التواصل الاجتماعي مع قضايانا الملحة أو حتى الهامشية يعيدنا إلى الوراء حيث تلك السنوات المشبعة بثقافة الإحباط والتشاؤم حينما كان الإعلام التقليدي "المُوجَه" يجذر تلك القضايا بقوالب نمطية مكررة في ذاكرة مجتمعاتنا لجعلها تنضوي تحت لواء ثقافة جمعية تنحاز دائما للوقوف في دائرة الظل!

وهذا ما أفرز لنا أجيالاً تجد صعوبة بالغة في التعبير عن ذواتها بطريقة حضارية تليق بإنسان هذا العصر دون اللجوء لاستخدام بعض العبارات غير اللائقة, وليس المقام هنا يسمح باستعراض بعض تلك العبارات, والتي تكاد تكون لازمة على ألسنة الكثير من المتفاعلين سلبا مع قضايا مجتمعاتهم.

كان الإعلام في دول الخليج ولا يزال جهازا حكوميا يسير وفق آلية عمل روتينية لا تتطلب أي قدرات ابداعية ولا حتى خبرات تراكمية لأنه محكوم بمحاذير كثيرة جردته من دوره الحقيقي في مسيرة البناء والتنمية وجعلته بوقاً يردد ما يقوله المسؤول بصورة توضح مدى الاستخفاف بالوعي الجمعي دون أن تحاول ولو بقدر ضئيل تبني سياسة الرأي والرأي الآخر.

صحيح أن ثورة الميديا فرضت في الوقت الراهن على الكثير من القنوات الخاصة التخلي عن الكثير من محاذيرها وقيودها إلا أنها في حقيقة الأمر لا تزال تدور في فلك الخطاب الرسمي للحكومات, وإن كانت بطريقة غير مباشرة, ولا أظن أن القارئ يحتاج لمزيد من الإيضاح حول هذه الحقيقة.

فالبرامج المتسمة بجرأة الطرح والشفافية في بعض القنوات هي مجرد محاولة لمجاراة الحراك الشبابي الصاخب لسحبه إلى مناطق آمنة بعيدا عن ثقافة الإحباط والتشاؤم التي قد تقود إلى التمرد وكسر التابو الاجتماعي في زمن النيران العربية المشتعلة في كل مكان, وهي بعبارة أدق محاولة "تنفيس ممنهج" قد يزول - مع مرور الوقت - تأثيره إذا لم يبادر صناع القرار لإجراء اصلاحات حقيقية توجه الطاقات الشبابية إلى مسارها الصحيح للمشاركة في بناء المجتمع.

إن ما يدعو للتساؤل الآن هو أين رموز تلك الحقب المظلمة من تاريخنا الإعلامي؟ أين من تصدروا مشهدنا الإعلامي والثقافي ورقياً لعقود من جمود الحراك الفكري والاجتماعي؟ هل أسست مساهماتهم ـ باختلاف أشكالها ـ ثقافة حقيقية في تلك الأزمنة؟

لقد جنينا حصادهم المر في زمن الانفتاح, وتبادل الأفكار والرؤى بين من يقطن في أقصى الشرق وبين من يُنظر في أقصى الغرب عن مبادئ مجتمعه الأفلاطونية! وكل ما يحتاجه المتحاوران من جهد ضغطة زر لتنتقل الأفكار من عالمها الثالثي إلى معقل عدوها الأول في زمن قد يستغرق بضع ثوانٍ خاطفة.

لم تعد الحكومات قادرة على كبح جماح الأفكار والآراء المتمردة في ظل صخب الحراك الثوري الذي تشهده دول المنطقة بأسرها.

فالآن بإمكاننا القول بثقة مفرطة إن الإعلام التقليدي كان فاشلا بامتياز حيث ادركنا ـ متأخرين جداً ـ سبب حالة التذمر السائدة في تلك الفترة الزمنية من عمر صحافتنا الورقية بين أوساط النخب المثقفة, فقد كنا نعتقد سذاجة بأن الإعلام التقليدي يحمي مجتمعاتنا من أفكارهم المخالفة للعقيدة والقيم الاجتماعية حينما كان يمارس معهم أبشع أنواع الإقصاء والتهميش! حيث لم نكن ندرك أنه كان بمثابة إقصاء لقضايانا الجوهرية من المشهد العام, لا اقصاءً لتلك النخب المتنورة بجهودها الذاتية.

ويكفي أن نستدعي من الذاكرة سياسة الحجب والمنع التي مارسها الإعلام التقليدي حتى مع أصحاب الحضور الطاغي في الساحة الثقافية مثل الوزير غازي القصيبي رحمه الله والأكاديمي المثير للجدل دكتور تركي الحمد وغيرهما من مثقفي الطليعة في المجتمع, وترك بعض الحركيين ممن يدعون بأنهم دعاة يمارسون حماقاتهم مع تلك النخب المتنورة بصورة توضح مدى التواطؤ الخفي بينهم وبين جهابذة الإعلام التقليد.

وللأسف الشديد لا زال هذا التواطؤ ـ وإن اختلفت الوسائل ـ مستمرا بذات الزخم لأن التخلص من الإرث المتراكم من الصور النمطية وبعض المصطلحات التكفيرية التي افرط الخطاب الحركي باستخدامها بقالب وعظي لا يمكن في ظل الظروف السيئة التي يعيشها العالم العربي, فلا غرابة أن تظل مهيمنة بصورتها السلبية التي رسمها الحركيون عبر إعلامنا التقليدي إلى الآن!

وهذا يقودني لطرح تساؤل لا أجد له إجابة مقنعة وهو لماذا لا تتخذ حكوماتنا الخليجية ذات الإجراءات غير المنصفة التي اتخذتها مع بعض الكتاب والمثقفين اللذين تجاوزوا بدافع الوطنية خطوطها الحمراء ـ على افتراض أنها خطوط حمراء ـ مع هؤلاء الغوغائيين ممن يهددون أمننا ووحدتنا خدمة لأجندتهم الحزبية؟

فمن وجهة نظري, أن هذا النهج الذي ينتهجه أولئك الحركيون يُعبر عن خيانة كبرى بكل المقاييس الوطنية لحكوماتهم ومجتمعاتهم الخليجية بل هي متاجرة بالدين والأخلاق سعيا وراء غايات دنيوية رخيصة.

فمنهم من تجرأ لأبعد مدى من التهور والجنوح متخذا من رصيده الجماهيري الكبير متكأً ليشطح بلغة منقرضة من تراثنا العريق ويتشدق بها في سماء العالم الافتراضي تحت تأثير ولائه المنقطع النظير لسدنة الحزب المهيمن على مفاصل العرب والعروبة, متوسماً من خلالها تأجيج نار الفتنة بين الأشقاء ولم يدر في خلده أن الولاية وفق مفهومه الحزبي لن يظفر بها حكام العالم قاطبة إلا إذا تكرم سماحته بتزكية إلكترونية ساخنة لمن يراه أهلا لتلك الولاية الشرعية المتسقة مع أهدافه الحزبية الضيقة!

نحن الآن نشهد فوضى عارمة يتزعمها بعض الحركيين والغوغائيين تتبعها جماهير ممتلئة برواسب الإعلام التقليدي, وللأسف الشديد أن هذه الجماهير تشكل رقماً مخيفاً بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي!

ولكم أن تتأملوا الكم الهائل من التعليقات غير اللائقة على المقالات أو الكتابات التي تنتقد بعض الحركيين لتعرفوا حجم الدمار الذي خلفه الإعلام التقليدي في عقول أجيال متعاقبة استمرأت التشكيك في عقائد المختلفين مع أولئك الحركيين!

ما يهم الآن هو هل سيتجاوز مثقفو تلك المرحلة المظلمة من تاريخنا الإعلامي ألم الإحباط الذي خلفته سنوات الإقصاء والتهميش ليعروا قبح الفكر الحركي المقيت؟ هل سيزيلون الصور السلبية العالقة في أذهان العوام عنهم؟ وليتذكروا أن سلطة الرقيب التي ابتكرها الإعلام التقليدي لتحجيم أفكارهم وآرائهم سقطت قبل سقوط أنظمة القمع والإستبداد مع أولى طلائع الثورة التقنية.