آننا ليند سلام عليك

بقلم: نضال حمد

(المقالة كتبت صباحا وقبل الاعلان عن وفاة الوزيرة آننا ليند )
قبل حوالي سنتين كتبت مقالا بعنوان "آننا ليند الضمير الحي"، حيث نشر في أسبوعية "فصل المقال" ونقل عنها لينشر في بعض مواقع الانترنت الإعلامية والصحافية. وكتبت يومها عن الموقف الحي والبطولي الذي اتخذته الوزيرة السويدية ضد غباء الرئيس الأمريكي جورج بوش وسياسته الحمقاء، التي تشكل أكبر خطر على وجود البشرية والسلم والأمن في العالم، وبخاصة مواقف بوش العدوانية والغبية من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. هذا وكانت لوزيرة الاشتراكية الديمقراطية صاحبة الشخصية القوية، قد رفضت أن تقدم أي اعتذار للرئيس الأمريكي وإدارته، وأصرت على موقفها السابق ولم تبدله بالرغم من تراجعها عن إطلاق تصريحات جديدة شبيهة بذاك التصريح.
وهذا لا يعني أنها استسلمت لمشيئة أمريكا، بل قد يكون توقف لإعادة تأمل الحقائق والواقع في زمن علت فيه راية الكذب والتزوير والنفاق وبيع المواقف وشراء العقول والذمم ورمي المبادئ في سلال المهملات وعلى مزابل الشركات والحكومات. وفي زمن يسود فيه التخلف السياسي والظلم العالمي، والجهل الأعمى والتعصب الاستعلائي العنصري، حيث أن الإدارة الأمريكية الحالية تعتبر طليعة الانحطاط الفكري والسلمي والتعايشي بين الدول والشعوب والحكومات والأمم والبلاد والمجتمعات.
فبينما كانت الوزيرة ليند تسير وحدها، كما هي العادة المتبعة في المجتمعات الأسكندنافية المسالمة والهادئة، وذلك في متجر كبير وسط العاصمة السويدية ستوكهولم، فاجئها أحد الإرهابيين المجرمين حين قام بلكمها وطرحها أرضا، ومن ثم قام بطعنها بسكين عدة طعنات في أنحاء جسدها. لقد كانت الطعنات تلك كما القنابل المدوية إذ أنها هزت السويد كلها من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق.هذا الحادث المروع هز فعلا المجتمع السويدي، وكذلك المجتمعات الاسكندنافية، لأنه حادث غريب، وعمل حقير لا تعرفه هذه الأمم، وهو بمثابة صفعة قوية للهدوء الذي تتمتع به حياة الناس من القادة ألى البسطاء في هذه البلاد المسالمة، وقد أعاد الحادث المذكور للأذهان عملية اغتيال أولف بالمه رئيس الوزراء السويدي سنة 1986، وذلك أثناء عودته من مشاهدة فيلم في إحدى قاعات السينما، وحصلت عملية الاغتيال على رصيف أحدى المدن السويدية، حيث كان يسير برفقة زوجته وبلا حراسة أو مرافقة ، بالرغم من أنه رئيس وزراء لمملكة السويد العريقة. قتل بالمه ولازال قاتله مجهول الهوية وحرا طليقا حتى يومنا هذا، وكذلك فأن المجرم الذي هاجم الوزيرة ليند لاذ بالفرار ولازال مجهول الهوية ويتمتع بالحرية. كل هذا يحدث في ظل نظام ديمقراطي يؤمن بالعقل والحرية والرأي و الرأي الآخر، وقد استغل المجرم المذكور الذي يبلغ طوله حوالي المترين، وسويدي المظهر، هذه المساحة الكبيرة من الحرية والديمقراطية ليشن هجومه الإجرامي على امرأة مسالمة، ذنبها أنها تقول ما يدور في خلدها وتعمل بقناعتها ولا تحب بوش وسياسته الغبية العدوانية.
لقد اعتبر رئيس الوزراء السويدي غوران بيرسون الاعتداء، هجوما على مجتمع السويد المنفتح واعتداء على الديمقراطية، وذكر فورا بعملية اغتيال أولف بالمه في العام 1986. وذكرت مصادر في وزارة الخارجية السويدية أن الوزيرة ليند لم تكن في عمل رسمي بل كانت في المتجر بصفة شخصية، كما أنها لم تكن تقوم بحملة لصالح الاستفتاء الذي سيقرر يوم الأحد القادم، إن كانت السويد ستدخل منطقة اليورو أم لا. ومعروف أن الوزيرة ليند من أكبر المشجعين لدخول السويد منطقة اليورو، مع العلم أن هناك معارضة شعبية سويدية كبيرة للدخول في تلك المغامرة، واحتراما لموقف الوزيرة الموجودة في المستشفى والتي تعالج من الجراح والطعنات، التي تسبب بها الاعتداء، قال رئيس الوزراء بيرسون أنه قد يتم تأجيل الاستفتاء المذكور حتى إشعار آخر.
تعتبر آننا ليند من القيادات الحيوية لحزب اللديمقراطي الاشتراكي السويدي الذي يحكم البلاد، وعينت وزيرة للخارجية سنة 1998 بعدما كانت عملت سابقا في عدة وزارات أخرى، ويعتبرها المراقبون المرشحة الأقوى لرئاسة وزراء السويد مستقبلا، وخلفا لغونار بيرسون، رئيس الوزراء الحالي. وتمتع ليند بشعبية جيدة بين مؤيدي الحزب ومشجعيه، كما أن لها حضور سياسي قوي في الاتحاد الأوروبي، ولها مكانة محترمة ومرموقة بين قادة العالم.وقد كافحت وناضلت بجهدها وذكاءها حتى وصلت لموقعها الحالي في الحزب والدولة وأوروبا والعالم. وسوف لن يكون هناك رجال بعد اليوم في الاتحاد الأوروبي لأن الرجل الأقوى بين وزراء خارجية أوروبا كانت آننا ليند، التي تقول ما تريد ولا تأتمر بإمرة شارون وبوش. نتمنى للوزيرة الشفاء والعودة لممارسة عملها الطبيعي خاصة أن العالم بحاجة هذه الأيام للعقلاء لا للأغبياء، فهو يعيش اليوم ذكرى الثلاثاء السوداء التي غيرت مجرى العالم وسيرت التاريخ وفق مشيئة أخرى، فكانت الطائرات التي اصطدمت بالأبراج بمثابة رسالة للعالم أجمع، أراد الذين أرسلوها توجيه أنظار الدنيا نحو مشاكل العالم العالقة والتي ليست الإدارة الأمريكية سوى أحد أهم أسبابها ووجودها واستمرارها. * نضال حمد - أوسلو