آمال الشاذلي تتساءل: لماذا أكتب؟

الكاتبة تعترف بأن وطأة الألم ولهب الأسئلة التي تمور بين أضلعها دفعاها للاستغاثة بالقلم والارتماء في حضن الورق.


أتخمتُ بالتجارب والحكايات وناءت عروقي بها، فكان لا بد من إيجاد مجرى لتصريف ما زاد عن قدرة تحملي وإلا الموت.


سقطت في دوامات خيالي عازفة عن مشاركة الأطفال لعبهم وشجارهم، بل كنت أقرب إلى الانطواء والشرود

لم تكن جلسات الشهادات الأدبية أقل أهمية من الجلسات البحثية والنقدية في ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي "الرواية في عصر المعلومات" (دورة الطيب صالح) الذي عقده المجلس الأعلى للثقافة خلال الفترة من 20 – 24 أبريل/ نيسان 2019. بل كانت تلك الشهادات أكثر حميمية وأكثر حضورا من قبل الأدباء والنقاد أنفسهم، ما دعى أمانة المؤتمر أن توصي بزيادة حصة الشهادات والوقت المتاح لها ابتداءً من الدورة القادمة.
وقد اعترض أكثر من مشارك على الوقت المتاح له في جلسة الشهادات، ورأى البعض أن تجربة كتابية تمتد لأكثر من ثلاثين أو أربعين عاما يستحيل أن تختصر في عشر دقائق لكل مشارك من المشاركين الخمسة أو الستة في الجلسة الواحدة، بل عبر أحد المشاركين بأن الملتقى في الأساس هو ملتقى المبدعين من كتاب الرواية، وليس ملتقى النقاد والباحثين، والدليل على ذلك عنوان الملتقى نفسه "ملتقى الإبداع الروائي" وليس "ملتقى النقد الروائي".
وقد بدأت جلسات الشهادات على التوازي مع الجلسات البحثية والنقدية، والموائد المستديرة، ومع ذلك فقد كانت هي الأكثر جاذبية طوال أيام الملتقى الخمسة.
وكانت الجلسة الأولى برئاسة الكاتب التونسي الحبيب السالمي، وشارك فيها من الروائيين: آمال الشاذلي، خليل صويلح، ربيعة ريحان، سمر نور، لينا هويان الحسن، ومحمد عبدالله الهادي.

وسوف نبدأ بشهادة الكاتبة آمال الشاذلي التي قالت تحت عنوان "لماذا أكتب؟": "لولا الألم لخلت الأرفف من الكتب". وأعترف بأن وطأة الألم ولهب الأسئلة التي تمور بين أضلعي قد دفعاني للاستغاثة بالقلم والارتماء في حضن الورق لأبوح لهما بما عجزت عن البوح به للبشر.
لطالما توهَّمت لحداثة سني أن الكون يترصَّدني والكائنات تتربَّص بي حتى إذا ما شببت عن الطوق ونظرت خلفي أدركت فداحة ما انقضى من العمر متوهِّمة أن لا مثيل لأحزاني التي طالما كبَّلت روحي وحالت بيني وبين نزق الطفولة وبراحها.

كم اجتاحتني الرغبة في الانتحار وصرت أراوغ الرغبة بأن تمهلني حتى أنتهي من روايتي وحتى تخرج من المطبعة وحتى أسمع رأي المتلقي وحتى... 

وقالت: حدد علماء النفس عدة سمات تميز المبدع كـ: الاستقلال، الميل إلى المخاطرة، التحرر من القيود التقليدية، وطبعًا الحساسية النفسية، ويا لها من كارثة إذا ما تحلَّت بتلك السمات "امرأة عربية" هنا لا بد لها أن تناوئ نفسها بنفسها قبل أن يعلن عليها المجتمع حد الحرابة. 
وأضافت: كم راودتني أفكار قد تبدو غريبة على المجتمع وتلح عليَّ من وقت إلى آخر كأن أحلق شعري "زيرو"، أو أهيم على وجهي في الطرقات وأمام المساجد، وأنام على الأرصفة أو أجري عملية تحوِّلني إلى رجل لا تتحكَّم فيه تقاليد المجتمع كما تتحكم في نسائه، لكن شطحاتي تظل طي الكتمان ولا من صديق آمن جانبه سوى الورق. 
لقد كانت نشأتي بين أسرة كبيرة العدد تشعرني دومًا بأنني في خضم بحر متلاطم البشر لا أستطيع أن أظفر براحة على شاطئيه "أبي وأمي" إلا بعد جهد جهيد، فانزويت بعيدًا حيث عالمي المتخيَّل، هذا العالم الذي أنعم فيه بأم وأب لي وحدي ربما حرمهما الله من الإنجاب فجاءا لأبي متوسلين كي يمنحني لهما لأهدهد وحدتهما أو يخطفني أحد الأشقياء ويبيعني لامرأة وحيدة. 
وهكذا سقطت في دوامات خيالي عازفة عن مشاركة الأطفال لعبهم وشجارهم، بل كنت أقرب إلى الانطواء والشرود، مما عرضني لسخرية لاذعة من بعض المعلمين ولا زلت أتذكر سخرية الأستاذ أنور فرغلي معلم التاريخ في المرحلة الثانوية وهو يلوح بذراعيه عاليًا في مشهد مسرحي قائلاً: هل تتكرم علينا الملكة وتنزل من برجها لتقول لنا لماذا تخلَّص محمد علي من المماليك؟
لم يكن شرودي في اللاشيء كما يتوهَّمون، بل كنت أرحل خلف الطيور وأرافق القمر، أستحضر الأحداث التاريخية في مخيلتي الخصبة ناسجة القصص والروايات في رحم طفولتي الغضة قبل أن أسبر أسرار الحرف وقبل أن أمسس كتابًا، وقبل أن أسمع أم كلثوم وهي تشدو برباعيات الخيام، وأجن بالصور والمعاني التي كانت بمثابة اللبنة الأولى التي شببت عليها لعالم الأدب وإلى الآن، وعلى كثرة ما قرأت وهو قليل، لا زلت أسيرة رباعيات الخيام "لبست ثوب العيش، لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر، وسوف أنضو الثوب عني ولم أدرك لماذا جئت، أين المفر!".
وإذا ما تقدَّمت بي سفينة الحياة قليلاً وتفتَّحت مداركي، تخبَّطت في لجة الأسئلة القدرية التي يتعثَّر فيها أغلبية المبدعين ولا أجدني مبالغة إذا قلت لا إبداع دون تلك الأسئلة الحائرة الملحَّة التي ينقضي العمر معها دون بلوغ اليقين. 
وأفصحت الشاذلي أنه: حين تعزَّزت الإجابات وناء القلب بحمله فكان أول مخاض أدبي لم أُطلع عليه أحدًا حتى الآن بعنوان "عبث الآلهة" يروي عن ضجر اجتاح الآلهة فقرروا في اجتماعهم الأخير أن يدفعوا باثنين من خدمهم غير المرغوب فيهم لما يثيرونه من مشاكل إلى كوكب الأرض، راقت الفكرة الأكثرية وتم تجاهل الآراء المحذِّرة، هلع الرجل والمرأة بقرب كليهما من الآخر حتى إذا ما ألفا الحياة على ظهر الأرض تباغضا وتباعدا ثم تبادلا الغيرة، الأمر في بدايته كان مسليًا لكنه مع الوقت فقد بريقه فدفعوا بالحيوانات، المتوحش منها والأليف، ثم بالحشرات الضارة والمفيدة. ثم بدأت المشاكل على الكوكب تتفاقم وصار لون الدماء هو اللون السائد، تبادلت الآلهة الاتهامات، تعاظم الشقاق، حيكت المؤامرات، نشبت حروب لعب فيها الخدم دورًا خطيرًا، وبعد صراع مرير استغرق كثيرًا من الوقت صارت الكلمة العليا لإله واحد استطاع التخلص من خصومه وفرض سيطرته، طبعًا هذا قبل أن أعرف أن هنالك مؤلفًا يحمل عنوان "الكوميديا الإلهية".

مضت السفينة قدمًا مخترقة الزمن، تنقلني من مرحلة عمرية إلى أخرى أكثر عصفًا ومن مرحلة دراسية إلى ما بعدها لأجدني معلمة تاريخ تتنقل ببراعة علاء الدين فوق بساطه السحري بين عدة أزمنة، تارة أتناول التاريخ المصري القديم وتارة التاريخ الحديث ومحمد علي، ثم أعود إلى الإسكندر والبطالسة وكليوباترا هذا غير الترحال إلى قارات بعيدة، حيث تاريخ القياصرة والإمبراطوريات القديمة التي غابت عنها الشمس.
ورأت أنها كأنثى تحيا في مجتمع شرقي يلح إلحاحًا في الزواج وفي الإنجاب أن تخوض أهم محطتين إنسانيتين، بل أخطرها "الزواج والإنجاب، وفي تلك التجربتين سيطول الحديث حيث لا تمر الحوادث الكبيرة، بل والصغيرة أيضًا في حياة المبدع دون تأمل وتحليل وفلترة. وقالت: حتى إذا ما أتخمتُ بالتجارب والحكايات وناءت عروقي بها، فكان لا بد من إيجاد مجرى لتصريف ما زاد عن قدرة تحملي وإلا الموت. أطل المولود الأول على الدنيا بعنوان "ضجيج الصمت" الذي قال عنه الناقد الراحل أحمد عبدالحليم في مجلة "حواء": "رغم أنه الكتاب الأول لآمال الشاذلي إلا أن قصصها تميزت بالعمق والنضج والتنوع...". 
وتتابعت المواليد إلى أن بلغ عددهم عشرة بين روايات ومجاميع قصصية ونصوص نثرية.
وتعود إلى آمال الشاذلي إلى سؤالها الطاغي على ما عداه من أسئلة: لماذا أكتب؟
وتجيب عن سؤالها بسؤال: هل أكتب لأمارس تمرُّدي على الورق بعد أن أخفقت في ممارسته في الواقع؟ هل أكتب لأصرخ كما يحلو لي دون أن يكتم أحد صراخي أو أتلقى اللوم على فعلتي؟ هل أكتب لأثبت لنفسي من وقت إلى آخر أنني ما زلت على قيد الحياة وأن حواسي لا تزال تعمل؟
وقالت: كم كنت أنزعج لسماع اسمي وأستنكره، وكم كنت أخاف ملامحي وأبغضها حتى ولو راقت لأعين العالم أجمع، فإذا بالكتابة جسر يصل قلبي بعقلي بروحي وإذا بها تصالحني على اسمي ورسمي.
الكتابة رمَّمت شروخي التي أحدثتها عقارب الوقت سواء عن عمد أو غير عمد.
لكنها لا تزال تتساءل: هل طابت نفسي؟
وتجيب: حين قرأت اسمي على أغلفة الكتب وفي الجرائد والمجلات وعقدت لي الندوات بدأت أشعر بفداحة الأمر وصرت أرتجف كلما رأيت قصة هنا وهناك ممهورة باسمي. فالكتابة ليست لعبة نتلهَّى بها، أو ثوبًا جميلاً لا يلبث أن نهجره، فهي مسؤولية وألم وانصهار، انصهار الروح والعقل والقلب في بوتقة الحياة فتولد الكلمة عميقة المعنى، واسعة المغزى.
وتعترف الشاذلي أن للكتابة عليها فضلاً غير منكور، وقالت: لم أتفضَّل عليها بشيء، فهي اليد العليا التي تمنح ونحن نتلقَّف عطاياها عن يدٍ صاغرين، فكم اجتاحتني الرغبة في الانتحار وصرت أراوغ الرغبة بأن تمهلني حتى أنتهي من روايتي وحتى تخرج من المطبعة وحتى أسمع رأي المتلقي وحتى... 
وهكذا أمدَّت في عمري الذي أدين به للكلمات، فهي بمثابة الأكسجين، فإذا أقبلت كانت الحياة وإذا أعرضت كان الموت.