آمال الأحمد: لا بد من تحفيز المرأة على الصراخ وفتح شبابيك الخلاص

أراقب تصرفات من حولي

في مجموعتها القصصية "شغب أسفل القلب" تكتب القاصة والفنانة التشكيلية الفلسطينية آمال الأحمد أوجه الحياة من زوايا مغايرة بحثا عن وعي الذات بعالمها وحقيقة وجودها، تكتب القصة القصيرة جدا بلغة تحمل من العمق قدر ما تحمله من البساطة، حيث تتوغل أنوثتها لتقتنص ما يليق بتشكيل العالم من اللغة، قريبة من أوجاع الكائن الإنساني عامة وإن انحازت للمرأة باعتبار أن الأخيرة الأكثر مواجهة لتعقدات الواقع وتناقضات الحياة وشراسة العالم.

عن بدايات الشغف بالكتابة قالت "كنت في عامي السابع حين قامت الإنتفاضة الفلسطينية الأولى كنت أجلس بجوار أبي، أشاهد تكسير الصهاينة لعظام شعبي، من هنا بدأت شرارة الغضب، ولكني لم أهتم للكتابة الا حين كنت في الثانية عشرة من عمري حيث شاهدت بإدراك تام غزو العراق للكويت، وحرب البوسنة والهرسك، وبالطبع كان التلفزيون يبث أناشيد ثورية ويستخدم أناشيد عن فلسطين، احترت فكان قلمي مخلصي من هذه الحيرة. أذكر أن قصيدتي الأولى كانت "أبكي على من أنا أبكي على من أبكي، على أم تصيح أبكي، على ولدٍ جريح أبكي، على وطنٍ ذبيح أبكي، على من أنا أبكي على من؟" كما أني حين كبرت وجدت أن الراحة والسعادة تكمن في جرة قلم، وفكرة تكتب عن الأمل، عن الألم، لا يهم، المهم أن نكتب ونرتاح".

حول الكائن/ المرأة الحاضر الأول في كتاباتها وقضية ذاتية، وتعمدها إلى تصويره باعتباره الكائن اللانهائي المتعدد الوجوه، قالت الأحمد "الكائن اللانهائي وحده قادرٌ على فهمي، والإستجابة لما أريد، كما أني أفهمه وأكون مطمئنة وأنا أضمه الى صدر الكلمات.

في حياتي الواقعية لا تربطني بالكبار علاقات وطيده، فأنا أخاف الكبار، صحيحٌ أن من يراني سيقول هي تضحك معهم وتحبهم وتجاريهم، لكن الحقيقة تقول إن عالم الكبار جعلني أخلق في نصوصي مئات من تلك الكائنات اللامرئية. الخوف يجعل الإبداع هش وهزيل، والتخلص منه يحتاج الى قوة في خلق فضاءات وشخوصٍ بعيدة عن ذلك العالم المخيف، حتى وإن كنت أوجد ذلك العالم بشخوصه اللامرئية لتحدث عن العالم الحقيقي.

أما عن كونه امرأة فهذا لأنها للأسف رغم قوتها المكنونة في قرارات مؤجلة للثورة هي إنسانه ضعيفة. ويجب علينا أن نقرص ضعفها لنحفزها على الصراخ وفتح شبابيك الخلاص، بالطبع أكثر النساء ولا أعمم.

وأضافت لا أعلم ان كان لدي حدس أنثوي في تتبع الحكاية وسلوك الشخصيات، وقالت "كل ما في الأمر أني أراقب تصرفات من حولي أستمع لبعض القصص الواقعية، ثم امتطي خيالي، ومعاً نبدأ بتتبع الحكاية وصياغتها ورسم شخوصها. حتماً ظلها تلك القصة الواقعية التي سمعتها، ولكن كيانها يختلف حسب ما أراه وما أتمناه وأحياناً ما يجب أن يكون عليه الأمر سواء كنا معه أو ضده.

ولفتت الأحمد أن شخصيات قصصها القصيرة تنزع إلى الفعل غير المتوقع والمفاجئ في حركتها وصيرورتها، "باختصار هذا أسلوبٌ أحبه وهو يسيطر عليّ بشكل كبير، قد يكون بسبب ذلك التوتر وقد يكون توتراً ذاتياً يتخبط في ذاتي. وحده النصّ يعلم يقيناً الإجابة" .

وأوضحت أن الموضوعات التي تلح عليك في الكتابة أكثر من غيرها تتمثل في الأنثى، والمظلوم، كلاهما يتربعان على عرش قلقي. أعتقد أن البيئة لها أثرها الواضح على كتاباتي، فأكثر الإناث حولي مطلقات ومعنفات أو متزوجاتٌ بصك عبودية له شروطه المجحفة. تكون فيه هي الزوجة والأم والعاملة، دون أن تكون الحبيبة، بالطبع لن أعمم، ولكن للأسف هذا ما أراه حولي، المظلوم أيضاً نظراته فقط كفيلة لأجهاض أي فكرة أخرى تتسم بالحب أو الفرح، يجبرني على تقمص دوره والكتابة عني وعنه.

أبحث عني دائماً في هذه التفاصل، أقوم بمحاربة الظلم والدفاع عن بعض الشخوص لأدافع عني، وعنهم، أنشغل بهم لكي أجدد إنسانيتي، فقد إنسانيتك هو فقد لذاتك وقلمك وعالمك".

من تجربة التعليم والتوجيه التربوي ثم إلى الكتابة والفن التشكيلي، كشفت الأحمد الانتقال الذكي من تجريب إلى آخر، قالت "في البدء كان القلم وحب كتابة الشعر والقصص، تخرجي من الثانوية وانتقالي للمعهد ثم فرصة عمل في مدرسة أجنبية كمساعد معلم مع الأطفال فتحت لي أبوابا كثيرة في مجالات فنية وأدبية مختلفة لم أكن أعلم أني أنتمي لها.

المسرح وحكايات الأطفال والرسم الذي كنت قد تركته حين بلغت الخامسة عشر خوفاً من الحرام، وعدت اليه بعد ذلك بقوة وشغف وحب، لا أعرف ان كان انتقالاً ذكياً أو مقصوداً أو ساقه القدر لي لأكونني كما أنا عليه الآن، ولكني أعرف الآن اني أحب التواجد مع الأطفال، وعالمهم مليء بتجارب متعددة ومختلفة، وجدتني أحب كل تجربة خضتها معهم. وأعترف أن الرسم وقصص الأطفال تجربتان تحلقان بي إلى فضاءات عجيبة ورائعة.

وبين وجوه الكتابة ووجوه اللوحة أكدت الأحمد خوفها من الوجوه التي تخرج من رحم هذه الحياة عامة، وقالت "في لوحاتي أتعمد اخفاء نصف الوجه وفي كثير من اللوحات أتعمد اللعب بملامحه كي أخفيه حتى لا يكتمل، إحساسي بأن أكثر الوجوه أن اكتملت تحولت لكائن حي مؤذٍ، قد أكون مخطئة وقد يكون السبب هو أن المشاعر التي نود التعبير عنها مسكنها القلب وصوتها الوجه. نود حقاً ان تنطق اللوحات لتعبر عن مشاعرنا ومكنونات أنفسنا".

ولفتت إلى أن الظلم يدفعها قسراً إلى ولوج عالم الكتابة "الظلم بكل أنواعه، وتقريباً أكثر قصصي وأكثر ابطالي أناسٌ مظلومون، من الحياة أو من الآخر".

وأضافت "العالم هو من فرض هذا علينا، حياة بلا أفق، تحتضن لونين فقط أسود وأبيض، تجبرك على نحر كل ما هو جميل، مجبرً أنت على الهروب منه بالكتابة عنه .. ولكن وحتى لا نعمم هذه النظرية فهناك أدباء يمتطون السعادة والفرح ويبدعون".

وأشارت الأحمد إلى أنها تستوحي موضوعاتها في الكتابة أو الرسم ممن هم حولها .. سواء كانت تعرفهم أو لا تعرفهم، من المقربين منها أو من من سمعت حكاياتهم فأثرت بها، من العالم الذي يضع مطباته أمامها "أسقط، أتألم، فأكتب، أو ارسم لأحلق مع الألوان فأبعدني عن منبع السقوط".

وعن أيهما النص أو اللوحة الأداءة الأقرب لنقل رؤيتها للعالم، قالت الأحمد "النص أبدع فيه أكثر وأجد فيه مساحات أكبر، أما اللوحه فهي عالمي الخاص الجميل، قد أضع فيه فكرة استعصى عليها الخروج كحرف، هو بابٌ يسعفني وقت يعجز قلمي عن البوح".

وأضافت "بالنسبة للنقد وبما أن بداياتي كانت في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، فالنقاد الذين تعرفت عليهم وشاركوني نصوصي، كان لهم الفضل الأول في إخراجي من عالم الخربشة إلى عالم الإبداع الحقيقي، يقرصون بنقد جميل خاصرة النص، فيخرج بعد التنقيح نصاً مكتمل الأبداع، لولا النقد لكانت الخربشات التي لا أسفه وجودها حتماً هي كل ما أنتجه".

ورأت الأحمد أن الأعمال الإدارية تقتل الإبداع وتشوه ملامحه، وأنا الآن أعاني ابتعادي عن الرسم والكتابة مع مشروعي الجديد "بيت عربي" والذي يختص بالتواصل مع الأطفال عن طريق الحكايات التي تعزز اللغة العربية واللهجة المحكية في قلوب أولادنا، صحيح أني الآن بفضل الله أنتجت أربع قصص للأطفال وهي قيد الطبع، ولكن الكتابة للكبار متعتي التي أحب أن أتواجد فيها كل يوم.