آلهة الأوليمب

الكون هو الذي خلق الآلهة

الأساطير الإغريقية والرومانية، تبين لنا بصفة عامة، تطور الفكر والعواطف الإنسانية منذ البداية. خلالها، يمكننا تتبع الدروب التي سلكها الإنسان منذ كان يعيش بين أحضان الطبيعة، إلى أن أصبح بعيدا عنها كل البعد.

الأساطير حقيقة، تأخذنا إلى زمن مضى، عندما كانت الناس على سجيتها، تعيش قريبة من تراب الأرض وأشجارها وزهورها ومياهها وصخورها وتلالها. البعد عن الطبيعة، هو السبب الحقيقي لشقائنا الآن.

في الزمن الذي كتبت فيه هذه الأساطير، لم يكن هناك فرق بين الحقيقة والخيال. الخيال، كان زاهيا ناصعا مبهرا، لا يعكر صفوه، قسوة المنطق وتداخل المقاييس العقلانية.

لذلك يمكن، لمن يسير بين أشجار الغابة، أن يرى الحوريات، وهن يطرن من غصن لغصن، فرادى أو جماعات. ثم يملن إلى النبع ليشربن. فينعكس ضياء وجوههن على السطح، بدورا منيرة جميلة.

الرجوع إلى الماضي، هو بهجة كل كاتب أو شاعر، يلمس الأساطير الكلاسيكية. في هذا الزمن السحيق، الرجل البدائي كان يرى بروتيوس، عجوز البحر، وهو يشرق من الماء، أو يسمع صوت نفير ترايتون.

نحن، من خلال الأساطير، يمكن أن نلمح شيئا من هذا العالم الرائع. لكن الإنسان البدائي، لم يكن يشعر بهذا الجمال الذي نشعر به نحو هذه الأساطير. فقد كان يرى من خلالها، كل صور الرعب، التي تقطن في جوف الغابات المعتمة. لم يكن يرى فقط حوريات الماء والجنيات.

الرعب يسكن هناك، ومن الرعب والخوف، يتولد السحر. خط دفاعنا الأول ضد الشر. ومن السحر، جاء تقديم الأضاحي لتجنب غضب الرب. لكن الأساطير الكلاسيكية شيء مختلف.

بالطبع، الإغريق عاشوا في البداية حياة متوحشة قاسية. ومع هذا، أساطيرهم تبين أنهم قد تفوقوا على ظروفهم الصعبة. بعض الأساطير يمكن إرجاعها إلى هذا الزمن البعيد.

لا نعرف متى بدأت هذه الأساطير، ومتى تطورت إلى صيغتها الحالية. لكنها بوضعها الراهن، جاءت عن طريق شعراء عظام. أول ما كتب منها عن الإغريق، جاء في ملحمة الإلياذة.

الأساطير الإغريقية تبدأ بـ "هومير". يعتقد أنه ظهر منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. الإلياذة، تحتوي على أقدم الأدبيات الإغريقية. كتبت بلغة ثرية، قوية، وجميلة. لا بد أنه كان يسبقها، قرون عديدة من التشوق للتعبير عن النفس بوضوح وجلال وجمال. وهذه هي بداية الحضارة الإنسانية.

الأساطير الإغريقية، تلقي كثيرا من الضوء على الإغريق القدماء. عن ثقافة أسلافهم وفنونهم ونظام حكمهم. لكن، كيف حدثت المعجزة الإغريقية؟ لا أحد يعرف. ما نعرفه، هو أنه عالم جديد قد ولد مع ميلاد الحضارة الإغريقية.

مع الحضارة الإغريقية، أصبح الإنسان هو مركز العالم، وأهم شيء فيه. حتى الآلهة، أصبحت في شكل الإنسان. تأخذ الكثير من طباعه وخصاله. عظمته ومثالبه.

لا يعتقد الإغريق أن الآلهة هي التي خلقت الكون. العكس هو الصحيح، الكون هو الذي خلق الآلهة. قبل أن توجد الآلهة، تكونت السماء والأرض. هما أول الآلهة. من تزاوج السماء والأرض، جاء التيتان. ومن التيتان، جاء باقي الآلهة.

التيتان، يسمون الآلهة القدماء. كانت أحجامهم ضخمة وقوتهم خارقة. كانوا يوجدون بكثرة، لكن القليل منهم، هو الذي ظهر في الأساطير. أهمهم، هو كرونوس، أو ساتورن عند الرومان، أو زحل بالعربي.

كان كرونوس ملك التيتان، حتى اننزع ابنه زيوس الحكم منه لنفسه. يقول الرومان إن كرونوس، فر هاربا إلى إيطاليا، وجعلها تشهد عصرا ذهبيا. امتاز بالسلام والسعادة طوال مدة حكمه.

تيتان آخر هو أوقيانوس، نصف إنسان ونصف سمكة. وهو إله النهر الذي يحيط بالأرض. زوجته هي تيتيس. ومن التيتان أيضا، هيبيريون، أبو الشمس والقمر والفجر.

كذلك، ميموسين، الذي يعني اسمه الذاكرة. وأيضا، تيميس، أيابيتوس أبو أطلس الذي يحمل الأرض على كتفيه، وبروميثيوس، منقذ البشرية ومهديها النار والحضارة.

هؤلاء فقط، من بين الآلهة التيتان، هم الذين لم يقع عليهم غضب زيوس، بسبب وقوفهم في صف أبيه أثناء حربه ضده. لكنهم يحتلون منزلة أقل من آلهة الأوليمب.

آلهة الأوليمب الاثنا عشر العظام، الذين يحكمون العالم هم:

1- زيوس (جوبيتر)، رئيس الآلهة

2- بوسيدون (نيبتون)، أخو زيوس

3- هاديس (بلوتو)، أخو زيوس

4- هيستيا (فيستا)، أخت زيوس

5- هيرا (جونو)، زوجة زيوس وأخته

6- آريس (مارس)، ابن زيوس وآريس

7- أثينا (مينيرفا)، ابنة زيوس

8- أبولو، ابن زيوس

9- أفروديت (فينوس)، ابنة زيوس

10- هيرميس (عطارد)، ابن زيوس

11- أرتيميس (ديانا)، ابنة زيوس

12- هيفاستوس (فولكان)، ابن زيوس في بعض الأقوال

آلهة الأوليمب الاثناعشر، هم المجلس الأعلى للآلهة. هم الذين خلفوا الآلهة القدماء، التيتان، في الحكم. يسمون آلهة الأوليمب، لأن قمة جبل الأوليمب هي موطنهم، أو كما جاء بالإلياذة، مكان أعلى من قمم كل الجبال.

جاء في شعر هومير، أن بوسيدون يحكم البحر، هاديس يحكم العالم السفلي، عالم الأموات. أما زيوس، فهو إله السماوات. توجد بوابة كبيرة في المدخل بين السحاب إلى الأوليمب موطن الآلهة. حيث تعيش، وتنام، وتتغذى على طعام شهي خاص للآلهة ورحيق الأزهار، وتشنف آذانها بالموسيقى، يعزفها لهم الإله أبولو على قيثارته.

مكان كامل مبارك، حيث لا ريح ولا أمطار أو ثلوج، كما يقول هومير، يمكن أن تعكر صفو الصحبة والهدوء المقدس. ولم لا، وزيوس هو إله السماوات والمطر والسحاب والبرق والرعد. فهو ملك الآلهة، وقوته تعادل قوة كل الآلهة مجتمعة.

في الإلياذة، يقول لباقي عائلته: "أنا أقوى منكم جميعا. جربوني لكي تتأكدوا. اربطوا السماء بحبل من الذهب وامسكوه جميعا، وحاولوا جذب زيوس إلى أسفل. لن تستطيعوا. لكنني أستطيع جذبكم جميعا إلى أسفل لو أردت. وإذا ربطت الحبل في قمة الأوليمب، فإنني أستطيع تعليق كل شيء في الهواء، الأرض والماء أيضا."

بالرغم من قوة زيوس هذه، إلا أنه غير قادر على كل شيء، ولا عالم بكل شيء. يمكن معارضته وخداعه. بوسيدون، إله البحار، غافله في الإلياذة، وكذلك زوجته هيرا. في بعض الأحيان، يكون القدر أعظم منه.

في شعر هومير، نجد هيرا، زوجته، تتساءل بسخرية عما إذا كان يستطيع أن ينقذ رجلا، حكم عليه القدر بالموت. كما أنه يظهر في الأساطير وهو عاشق فلاتي، مغرم صبابة بالنساء الجميلات.

امرأة بعد امرأة حتى بلغ عددهن الـ 50. كان يذل نفسه في سبيل شهواته، ويلجأ لكل الحيل والألاعيب الدنيئة لكي يخفي مغامراته النسائية عن زوجته هيرا. ومع هذا، يبدو في الأساطير القديمة عظيما مهابا.

في الإلياذة، نجد أجاممنون يصلي له بهذا الدعاء: "زيوس، أيها العظيم المجيد. يا إله العواصف والسحاب. يا إله السماوات."

وكان يطلب زيوس من عبيده، ليس فقط تقديم القرابين، ولكن أيضا السلوك القويم. أفراد جيش الإغريق في طروادة، كان يقال لهم إن زيوس لا يساعد الكذابين أو من يحنثون بوعودهم.

نظرة السخرية من سلوك زيوس إلى جانب نظرة التبجيل والاحترام، كانتا تسيران جنبا إلى جنب لقرون عديدة. طائره، هو النسر. وشجرته هي شجرة السنديان.