آفاق المؤسسة الثقافية.. وعصر المعلوماتية

بقلم: السيد نجم
رسالة انسانية بلا وطن

كثيرا ما يتردد اصطلاح "المؤسسة الثقافية" وافتقار العرب لوجودها، وربما لافتقادها يعجز العرب عن ملاحقة الجديد، وإضافة لبنات جديدة إلى التراث البشري.
"المؤسسة" مصطلح مكروه على الأذن العربية لارتباطها بالأفق السياسي أكثر منه ارتباطا بالثقافة. ومع ذلك وفى الحقيقة نحن-كعرب- نفتقر إلى هذا الكيان الموجه والمرشد لجملة الأعمال المبعثرة، في كل جوانب والأشكال الفكرية/الفنية/ الإبداعية في حياتنا الثقافية.
بداية الحديث الآن لا يتضمن ذلك الشكل المادي الموظف من أي جهة ما ومن أجل "أيديولوجية" ما. أظن أن المعنى بمصطلح "المؤسسة الثقافية" هي جملة الأفكار ولتكن الأهداف التي تتضافر معا، وقد تتصارع من أجل...
تلك المؤسسة تتضمن فيما تتضمن، مجموعة الأبنية المؤسسية العاملة في مجال الثقافة في مختلف الأقطار العربية، هي جملة المجهودات الفردية أو لتكن "المدنية أو الأهلية" التي تنبع من الأفراد والجماعات، مثل الجوائز القيمة والمسابقات التي يتبناها البعض الآن في الوطن العربي.. وكلها من أجل....
هي تلك التوجهات المحددة سلفا لأهداف البحث العلمي في الجامعات ومراكز البحوث العربية. وكلها تتجه من أجل....
هي رأس التخطيط في أقل المستويات بالوحدات الإنتاجية، وحتى تخطيط الوزارات بالدول العربية، بحيث تتجه كلها نحو هدف محدد واضح من أجل....
هي فكرة "التراكم" والبناء المتتابع، جيلا بعد جيل، بحيث تسير الأمور بالإضافة وليس بالحذف، وهنا يلعب "الزمن" لعبته ويصبح عاملا مساعدا للبناء، وليس للاستهلاك والهلاك.
هل غامت الفكرة؟ ربما، لكن المؤكد أن هدف "المؤسسة الثقافية" المرجوة هو رفعة شأن الإنسان العربي. فمن الخطأ الاعتقاد بأن "الإبداع" منفصلا عن الإنتاج الزراعي والصناعي للأفراد والدول. ومن الخطأ القول بأن كل ما هو غربي متميز ويناسب شعوبنا. ومن الخطأ جلد الذات والإحساس بالدونية في مواجهة الفكر والمنتج (أيا كانت طبيعته)....
نحن شعوب عاشت على أرضها منذ آلاف السنين، وأنتجت ثقافتها، وحضارتها، وأنجزت. وبالتالي قادرة على الإنتاج والإنجاز الآن.
والآن هل يمكن أن نقول أن "المؤسسة الثقافية" هي مجموعة من الأفكار الوجودية والتاريخية والفلسفية؟ أظنها كذلك..وهذه هي الخطوة الأولى.
أما الخطوة الثانية فهي آليات توظيف تلك الأفكار.. وأراها مجموعة من الأفكار مثل "التسامح"، "البعد عن القبلية والعنصرية"، "وضوح الهدف الإستراتيجي"، "المنهج العلمي في التفكير".. ولا يبقى إلا أن تسعى العقول والسواد-كل في موقعه- بتطبيق البعد الإستراتيجي، بوازع من ذاته، وهو على يقين بجدواه، مهما صغر أو كبر، مع وجود "المثقف" الحقيقي القادر على التقاط الصورة البانورامية، ويسعى إلى تهذيبها بالإضافة والحذف.. والمعنى بالمثقف هنا هو الفنان والكاتب والأديب بل ورجل الدين المتنور.
كمثال عملي أسرده، عن حوار بيني وبين صديق صحفي واكاديمي مقيم في لندن. أنه في زيارة له مع ابنته (14 سنة) لأحد محال تأجير الفيديو، لاحظت الابنة وجود فيلم معروض دائما عن معاناة اليهود اثناء حكم النازي في المانيا وهو ما اثار فضولها. فيلم "البيانو" ذاك اعاد الى ذهن صديقي فيلم ستيفن سبيلبيرغ الاشهر "قائمة شندلر" (الفيلم يتناول موضوع اضطهاد اليهود على يد النازيين خلال الحرب العالمية الثانية) وما قاله المخرج في حينها عن الفيلم الذي نال سبع جوائز "أوسكار" من أنه انتج كل أفلامه السابقة الناجحة والتي جلبت مئات الملايين من الدولارات، من أجل هذا الفيلم! بينما أفلامه السابقة تجارية ورابحة، إلا أن الهدف الإستراتيجي في رأس المخطط بشركة الإنتاج يؤهل للمخرج ويرفع من اسمه، حتى يجئ يوم إنتاج هذا الموضوع، وقد جاء وفاز وشاع وانتشر!
هنا دلالة المؤسسة عندي، الهدف الإستراتيجي واضح، وكل المطلوب هو السعي لتحقيق أكبر نجاح له.. بصرف النظر عن الفترة الزمنية اللازمة، والتكلفة المادية.
لكن ما مدخلنا لتحقيق هذا المفهوم؟
في عصر المعلوماتية أصبح من الصعب الحد من النشاط الفكري للإنسان. فقد أصبحنا نجد الأعمال الأدبية والفكرية تتسلل الى شبكة الإنترنت، لتعلن عن نفسها، بعيدا عن المؤسسات، إذ الإنترنت لا وطن له.
لكن هل ذلك أن العمل الإبداعي الفكري ليس له حدود ولا ضوابط؟ ما هي المرجعيات التى يمكن أن تكون مصدرا للعمل الإبداعي الأدبي والفكري؟
هذا هو محور كتاب "آفاق الإبداع ومرجعيته..فى عصر المعلوماتية" الذي صدر عن "دار الفكر المعاصر" اللبنانية، ضمن سلسلة "حوارات لقرن جديد" وبقلم د.حسام الخطيب، ود.رمضان البسطويسي.
الإبداع مصطلح أثير ومثير معا.. أثير لأنه يحلو لكل إنسان فردا وجماعة، أن ينسبه لنفسه، دلالة على تميزه، على العكس من التقليد والتكرار والمحاكاة، لأنها تلغى ذاته.
والإبداع مثير، لما ينطوي عليه من احتمالات..أن يكون الإبداع فى اتجاه الانكفاء والهبوط أو فى اتجاه التقدم والارتقاء..هل سيحمل صفة الإبداع فى الاتجاهين على حد سواء؟!
لكن الإبداع فى النهاية مخالفة وتحد يتجاوزان المألوف. كما أنه موهبة، ومسئولية على المبدع.
يوضح الدكتور حسام الخطيب أنه حين يبدأ الإنسان بمحاولة الكتابة فى الموضوعات المعاصرة يلاحظ فورا ضرورة تحديد مدلولات المصطلحات المتداولة، ويكتشف اثر ذلك أن رواج المصطلح لا يعنى أبدا وضوحه، بل إن تداول كلمات مثل: المرجعية، المعلوماتية، والإبداع، قد يؤدى الى تحميلها دلالات فضفاضة من شأنها أن تفسح مجالا لتفسيرات واستنتاجات متضاربة.
أما "مرجعية" قد تعنى المرجع وعملية الرجوع إليه. ويقصد بـ"إبداع" عادة إنتاج الأدب، ولا تماثل كلمة الإنشاء والخلق. وربما من المفيد الاقتراب من اصطلاح "النص" وهو فى المعاجم يفيد أنه الكلام الأصلي المنسوب الى المؤلف. ثم جاءت "المعلوماتية" التى ظهرت عام 1962م فى فرنسا.. ويمكن القول بأنها تعنى معطيات واستعلامات تم تسجيلها أو تصنيفها وتنظيمها فى إطار عمل معين لإظهار دلالاتها.
فيما يوضح الدكتور رمضان بسطاويسي أن الحديث عن الإبداع، يعنى تجاوز أدبيات الفكر الفلسفي التى تتناول الحرية بوصفها موضوعا للتأمل العقلي.بل الحرية فعل ينتقل من الإمكانية الى الوجود، وإذا كان الإبداع فعلا للتحرر تعبيرا للصراع بين المبدع وذاته ومجتمعه.
وبدأت تثار علاقة السلطة بالحرية، منذ أن كانت دعوة الإنسان فى الغرب يدعو الى التحرر من قبضة الكنيسة هناك. وارتبطت فكرة الوعي بالمصير عند كل المفكرين فيما بعد، فالحرية لا تطابق المعقول، بل إن الوعي بالمصير يجعل الإنسان/المبدع يطمح لتحقيق ما قد يبدو مستحيلا ولا معقولا، فللحرية حدود هي بعينها شروطها، فالشاعر لابد أن يعرف قوانين اللغة التى يكتب بها، ليدرك أبعاد صراعه مع الضرورة.
تلك الوقفة السريعة مع هذا الكتاب، تمزج بين آليات الفكر والتنفيذ..نحن إذن في حاجة إلى التربية، الأعلام، الفنون والآداب... ونزكى دور القائمين عليها لأن يكون لهم دور الريادة وقيادة القافلة نحو مجتمع مؤسسي. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com