آرغو: 3 اوسكارات تغضب إيران

جاسوسي سياسي بامتياز

فيلم "آرغو" جاسوسي سياسي بامتياز، وقد يًفسر في ولاية اوباما بأنه جبران لفشل إدارة جيمي كارتر في اطلاق سراح الرهائن في طهران عام 1979 وسيذكّر المرء حتما بفيلم (عاصفة الرمال) وهو النسخة الإيرانية لقصة الرهائن أيام المحنة.

تسلق "آرغو" الى القمة دون إطلاق رصاص وقنابل، ودون اكشن، ودون نساء جميلات عاريات. اطلاق الفيلم وفوزه المتلاحق بجوائز الاوسكار جاء بعد أن رفعت وكالة المخابرات المركزية الأميركية سي آي ايه في عام 2007 السرية عن الوثائق المتعلقة بأزمة رهائن السفارة الأميركية بطهران.

مخرج ومنتج وبطل الفيلم هو "بين افليك"، وقد نجح في أن يصنع فيلم إثارة قليل التكلفة بسيط الحبكة والتفاصيل محمل بالدلالات السياسية، لينجح في شد أنفاس المشاهدين على مدى 120 دقيقة .

القصة تدور حول 6 من العاملين في السفارة الأميركية بطهران، نجحوا في الفرار من باب خلفي للسفارة في 4 نوفمبر/تشرين ثاني 1979 لحظة اقتحمها الحرس الثوري وما يسمى في إيران بـ (حركة الطلاب السائرين على خط الإمام). ولا ينسى المرء أنّ الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد شخصيا - حسبما شاع - كان أحد عناصر الحرس الثوري الذين تولوا اقتحام السفارة واحتجاز الرهائن - وإن كانت مصادر المخابرات الأميركية لا تملك دليلا قطعيا على ذلك.

• حبكة أميركية بامتياز

وصل الهاربون الى بيت السفير الكندي بطهران، وتواروا فيه. ولغرض إخراجهم من إيران، إستعانت الإدراة الأميركية في واشنطن بخبير في سي آي أيه بعد أن أعيتها الحيلة. الخبير توني مينديز (ويؤدي دوره بين افليك) ابتكر طريقة ينفذ من خلالها الى المجتمع الإيراني المضطرب المحشّد ضد الغرب والولايات المتحدة. فيبدأ بإنتاج فيلم خيال علمي اسمه "آرغو" (ويصبح اسم ملف العملية آرغو) ليصبح غطاء يمكّنه من دخول طهران وتصوير بعض مشاهد الفيلم فيها مع الفريق المفترض وهو الموظفون الستة بعد تزويدهم بجوازات سفر كندية مزورة.

مستعينا بخبرة ممثل ومنتج معروفين في هوليود (يقبلان أن ينتجا مشاهد من الفيلم في أماكن عامة مجانا للمساهمة في إنقاذ الموظفين الأميركيين الستة من فوهة بركان الثورة الخمينية)، يصل البطل طهران ويتصل بالموظفين المتوارين، ويقنعهم بأن يخوضوا المغامرة لاسيما وأن هذا هو الحل الوحيد المتيسر لمحنتهم.

عبر سلسلة من المشاهد المشحونة بالخوف من مواجهات مع المتشددين المسلحين والمتظاهرين المأخوذين بكاريزما الإمام العجوز واليساريين الكارهين لكل ما هو أميركي وغربي بفعل الغسيل الشيوعي السوفيتي الذي كان سائدا آنذاك، ينطلق الموظفون الستة مع منقذهم عبر شوارع طهران التي تنتشر فيها جثث المشنوقين المعلقين برافعات البناء العملاقة، والسيارت المحترقة ومشاهد العنف الثوري تجاه المعارضين والتظاهرات العشوائية التي تذكر المشاهد بأجواء الربيع العربي السائدة اليوم، ليصلوا الى مطار مهرآباد حيث طائرة (سويس اير) التي تطير بهم الى بر الأمان خروجا من الجحيم الخميني الملتهب (عبر أجواء العراق من خلال مشهد قصير جدا لضابط عراقي يصدّق ويختم جوازات سفرهم، ولا ندري كيف جرى ذلك وهم في الطائرة!).

• نجاح الفيلم يغضب الحكومة الإيرانية

الإيرانيون – كعادتهم - فسّروا فوز الفيلم بجوائز الأوسكار وحجم المشاهدة والإيرادات الهائلة (أكثر من 218 مليون دولار بعد شهرين من بدء عرضه) التي حققها ، بأنه مؤامرة أميركية تستهدف طمس حقيقة النصر الإيراني السماوي على الإمبريالية الأميركية من خلال احتجاز موظفي سفارة الشيطان الأكبر! لمدة 444 يوما اسقطت الرئيس جيمي كارتر - الأضعف في تاريخ أميركا - بالضربة القاضية.

بمرارة الفشل كتبت وكالة أنباء فارس نقلا عن مراسلها في واشنطن:

"بدلا أن يركز الفيلم على ثورة إيران الكبرى، تراجع عن خطه الروائي (حيث كان قد بدأ بعرض سردي لثورة مصدق ودور أميركا في إسقاطها وإعادة الشاه وعرض لمظالمه وبذخ بلاطه وجوع الشعب)، وصار يركز على فرضية أن الأميركيين البيض في خطر.

ومن خلال تتتابع مشاهد الفيلم، يظهر الإيرانيون كأنهم مخلوقات بدائية، تتحرك في مجاميع شيطانية متعطشة للدم، في تعمد درامي يهدف الى خلق حالة خوف وهلع من الشعب الإيراني في نفس المتلقي.

بعد مشاهدة الفيلم يخلص المشاهد، الى أن ثورة الإمام (الخميني) قد حولت الشعب الإيراني الى مردة وشياطين لا هم لهم إلا قتل الناس وترويعهم، مستهدفين الغرب وحضارته في كل ذلك". (انتهى النص المأخوذ من وكالة أنباء فارس والمنشور بالفارسية بتارخ 10 مارس/آذار 2013).

• المدد السماوي أحبط عملية مخلب الصقر

نجاح فيلم "آرغو" زاد من مرارة الإيرانيين حيث اكتشفوا في وقت متأخر كيف تغلبت عليهم المخابرات الأميركية بالتنسيق مع الدبلوماسية الكندية. هذه المرارة دفعت بنقادهم السينمائيين ومعلقيهم السياسيين إلى مقارنته بالفيلم الإيراني (طوفان شن) أي عاصفة الرمال الذي أنتج قبل سنوات طويلة وتناول محاولة الإدارة الأميركية في عام 1981 تحرير الرهائن بعملية جيمسبوندية كان مصيرها الفشل الذريع مقرونا بخيبة سياسية للإدارة في ذلك الوقت.

وزارة الإرشاد الإيرانية كانت قد أنتجت في تسعينيات القرن الماضي فيلم "عاصفة الرمال" من اخراج جواد شمقدري وهو كاتب السيناريو، وبطولة الممثل القدير أحمد نجفي لمدة 130 دقيقة .

شمقدري لم يكن قط مخرجا معروفا خارج مظلة الإعلام الرسمي الموجه، ولا يشكل حضوره أي وزن في صناعة السينما الإيرانية العملاقة، وهو اليوم معاون وزارة الإرشاد الإسلامي، لكن الممثل أحمد نجفي هو واحد من أبرز وجوه السينما الإيرانية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وقد لعب دورا مهما في الفيلم.

قصة فيلم "عاصفة الرمال" تتناول محاولة مفرزة من قوات النخبة الأميركية المحمولة جوا (دلتا) تنفيذ عملية إنزال في صحراء طبس غرب طهران، والإنتقال للعاصمة بالشاحنات، ثم الهجوم على المكان الذي يحتجز فيه الرهائن بقلب العاصمة، وتحريرهم من أيدي خاطفيهم ثم العودة بالشاحنات الى الطائرات التي تنتظرهم في طبس والعودة بعدها الى قواعد الطائرات في الخليج.

الفيلم تابع هذه التفاصيل، وتابع بعدها فشل العملية إثر عاصفة رمال ضربت طبس وقت التنفيذ وأسفرت عن سقوط وتحطم بضع طائرات من الأسطول المنفذ ومقتل بعض من القوات التي كانت على متنها.

• فشل عملية مخلب الصقر بسبب تهالك الطائرات

النخبة السياسية الدينية الإيرانية عزت هذا الفشل دائما إلى "إرادة آلهية تدخلت بقدرة عاصفة الرمال وأحبطت خطة الشيطان الأكبر للتآمر على جمهورية ولاية الفقيه، ظل الله على الأرض". وبفضل "المدد السماوي وصل طبس جنود من رمال واطاحوا بالقوة المهاجمة ودمروها".

لكن الجدل في إيران اليوم ينحو الى أن يعزو الفشل الى أسباب بشرية غير سماوية، وهكذا كتب الناقد حسن عباسی "إن سبب فشل عمليات (مخلب الصقر/ حسب التسمية الأميركية) في طبس لا يرجع إلى تدخل السماء في دعم جمهورية الإسلام، ولا الى تدخل المخابرات السوفيتية التي ظللت أقمارها الصناعية الطائرات الأميركية فسقطت في طبس (كما شاع بعد تنفيذ العلمية)، بل أن السبب الاصلي يعود الى تهالك وقدم الطائرات التي نفذت العملية، ما أضعف أداءها فسقطت وفشلت العملية".

هذا التراجع عن نظرية المدد السماوي، يثير اليوم عاصفة من النقد يثيرها المحافظون في الحكومة الإيرانية والأقلام التي تروج لطروحاتهم. المدافعون عن نظرية المدد السماوي هم أشد المهاجمين لفيلم "آرغو" باعتباره محاولة للتغطية على خيبة الإدارة الأميركية وفشلها في تحرير الرهائن من خلال علميات (مخلب الصقر)، معتبرين الفيلم محاولة لاستعادة ماء الوجه المهدورة في صحراء طبس.