« رأيت رام الله» لمريد البرغوثي

بقلم: أحمد فضل شبلول

صدرت طبعة ثانية من كتاب الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي "رأيت رام الله" عن سلسلة آفاق عربية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، ويرأس تحريرها أ.د. محمد زكريا عناني.
كانت الطبعة الأولى قد صدرت عن سلسلة "كتاب الهلال" عام 1997.
وكتاب "رأيت رام الله" يعد من أهم الكتب الأدبية التي صدرت عن الأوضاع الداخلية بالأراضي المحتلة، فقد كُتب بحس الأديب الشاعر الذي غاب ثلاثين عاما عن مسقط رأسه "دير غسانة"، ودار رعد، القريبة من مدينة "رام الله"، تلك المدينة التي قفزت إلى ذاكرة العالم مؤخرا، عندما حوصر مكتب الرئيس ياسر عرفات، ومقر قيادة السلطة الفلسطينية، بها. لقد عاد مريد البرغوثي إلى مدينته بعد ثلاثين عاما من النفي والطرد والتشريد والإبعاد عن الوطن الأم، ليقارن بين رام الله، وفلسطين بعامة، قبل عام 1966 وبينها بعد زيارته لها عام 1996، حيث اكتشف ـ وهو من فريق المعارضة ـ أن معظم المثقفين تماهى مع السلطة الفلسطينية.
وما بين الرقمين حياة صعبة، ورحلة شاقة، واغتراب (الغربة كالموت)، ومنافي، وبلاد، وعواصم، وفنادق، وأهل وأصدقاء يرحل منهم الواحد تلو الآخر، دون أن يمتلك الكاتب تقديم العزاء فيه، إلا على الورق.
هكذا رحل منيف البرغوثي (1941 ـ 1993) الأخ الأكبر للكاتب، والذي كان بمثابة الأب الذي يقدم له كل العون في سبيل استكمال رحلة الدراسة الجامعية. ولكن يسقط هذا الأخ في طريق الغربة.
وهكذا أيضا يرحل الأصدقاء: أبو سلمى، وغسان كنفاني، وناجي العلي، ونجيب سرور، ويوسف إدريس، ويحيى الطاهر عبد الله، وغيرهم ممن ارتبط بهم الكاتب وجدانيا وثقافيا.
إنها ليست مجرد رحلة كتابية على الورق، أو سيرة ذاتية، أو رواية فذة، يقدمها لنا مريد البرغوثي في "رأيت رام الله". بل إنها الحياة العربية نفسها، بكل تفاصيلها اليومية، ومنمنماتها التاريخية، وبكل ما فيها من انكسارات كثيرة، وانتصارات شحيحة. (في رام الله طربنا لقرار جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس وتابعنا أخبار بور سعيد وصمودها. في رام الله رقصنا للوحدة بين سوريا ومصر وإعلان الجمهورية العربية المتحدة، وفيها بكينا يوم إعلان الانفصال). إنها رحلة الذكريات القريبة والبعيدة التي لا تزال تترى على ذاكرة الكاتب، فينتفض معها، ويعتصرها من دمه، وروحه، وكيانه كله، ويقدم خلالها وجهة نظره في الأوضاع العربية داخل الأراضي المحتلة، وخارجها. داخل فلسطين، وخارجها.
إنها الذاكرة الإنسانية التي جمعت بينه وبين زوجته د. رضوى عاشور، وابنهما تميم، الذي كان يطلق على أبيه "عمو بابا" في فصل من أمتع الفصول الإنسانية بالكتاب. (عندما تم ترحيلي من مصر كان عمره خمسة أشهر. وعندما أحضرته رضوى معها للقاء بي في شقة مفروشة في بودابست كان عمره ثلاثة عشر شهرا. وصار يناديني: عمو. أضحك وأحاول أن أصحح له الأمر: أنا مش عمو يا تميم. أنا بابا. فيناديني: عمو بابا).

يبدأ الكتاب بالجسر الذي يعبره الكاتب إلى عالم الاغتراب (الغربة لا تكون واحدة. إنها دائما غُربات) والمنافي، فيقول عنه: "إنني لا أشكرك أيها الجسر القليل الشأن والأمتار. لست بحرا، ولست محيطا، حتى نلتمس في أهوالك أعذارا. لست سلسلة جبال تسكنها ضواري البر وغيلان الخرافة حتى نستدعي الغرائز والوقاية دونك، كنت سأشكرك، أيها الجسر، لو كنت على كوكب غير هذا، وعلى بقعة لا تصل إليها المرسيدس القديمة في ثلاثين دقيقة. كنت سأشكرك، لو كنت من صنع البراكين، ورعبها البرتقالي السميك، لكنك من صنع نجارين تعساء، يضعون المسامير في زوايا الشفاه، والسيجارة على الأذن. لا أقول لك شكرا أيها الجسر الصغير. هل أخجل منك؟ أم تخجل مني؟ أيها القريب كنجوم الشاعر الساذج. أيها البعيد كخطوة المشلول. أي حرج هذا؟ إنني لا أسامحك. وأنت لا تسامحني. صوت الأخشاب تحت قدمي".
وينهي مريد كتابه بحديث آخر عن هذا الجسر، يقول فيه: "كأنني بتجاوز ذلك الجسر الخشبي الصغير تمكنت من المثول أمام أيامي، وجعلت أيامي تمثل أمامي. ألمس تفاصيل منها بلا سبب. وأهمل تفاصيل منها بلا سبب. ثرثرت لنفسي عمرا كاملا. وزواري يحسبونني صامتا. عبرت الجسر المحرم علينا، وفجأة انحنيت ألملم شتاتي".
إن هذا الجسر الخشبي الصغير يفصل بين عالمين: عالم الاحتلال، وعالم المنافي. ويبدو أن هذا الجسر بمعناه المادي والمعنوي، يعد رمزا شفيفا في تاريخ الأدب الفلسطيني. (فيروز تسميه جسر العودة. الأردنيون يسمونه جسر الملك حسين. السلطة الفلسطينية تسميه معبر الكرامة. عامة الناس وسائقو الباصات والتكسي يسمونه جسر اللنبي. أمي وقبلها جدتي وأبي وامرأة عمي أم طلال، يسمونه ببساطة الجسر).
وأتذكر قصيدة عنوانها "الجسر" للشاعر محمود درويش، نشرت ضمن قصائد ديوان "حبيبتي تنهض من نومها"، يقول فيها: (أمرٌ بإطلاق الرصاصِ على الذي يجتازُ هذا
الجسرَ، هذا الجسرُ مِقصلةُ الذي رفض
التسولَ تحت ظلِّ وكالة الغوث الجديدة.
والموتُ بالمجانِ
تحت الذلِّ والأمطار، من يرفضْه يُقتلْ عند
هذا الجسرِ، هذا الجسرُ مِقصلةُ الذي ما زال
يحلم بالوطن.)
هكذا يلتقي الشاعران محمود درويش ومريد البرغوثي، على الجسر نفسه، الذي يعد مقصلة الحنين، ومقصلة حلم العودة إلى الوطن السليب.
ولولا اتفاقية أسلو البائدة (حيث تعترف الدول على الورق بالهوية الفلسطينية، وبجواز السفر الفلسطيني، ولكن على الورق فقط) ما عاد البرغوثي ليرى رام الله ودير غسانة، ودار رعد، مرة أخرى، ويرى معها أيضا المستوطنات التي انتشرت كالسرطان في جسد الأرض الفلسطينية، (قلت لنفسي إن مفاوضي أوسلو كانوا يجهلون المعنى الحقيقي لهذا المستوطنات، وإلا لما وقَّعوا الاتفاقية!). وقال أيضا: (بعد الانتفاضة الشعبية على أرض فلسطين، ذهبنا إلى أوسلو. دائما نتكيف مع شروط الأعداء. منذ الـ 67 ونحن نتأقلم ونتكيف). إنها السخرية المرة، من الواقع العربي. (ما الذي يسلب الروح ألوانها ؟ ما الذي، غيرَ قصف الغزاة، أصاب الجسد؟).
هكذا تنتهي رحلة "رأيت رام الله"، في الكتاب، ولكنها ـ أبدا ـ لم تنته في الحياة، فالكتاب ـ كما قال عنه بحق الناقد الراحل د. على الراعي: "ليس مجرد كتاب. إنه ذوب قلب وعصارة حياة قضاها الشاعر المرموق متنقلا بين المهاجر والمنافي والمنابذ". أما الكاتبة الصحفية صافي ناز كاظم، فقد قالت: "يمكن أن أعتبره أهم كتاب صدر في الـ 49 سنة الأخيرة منذ سرقة فلسطين عام 1948". وهو بحق كما قالت. أما الحياة فهي ممتدة وأبدية، وستبقى "رام الله" العربية، وفلسطين العربية، في ذاكرة الحياة، ما بقي حي على هذه البسيطة. إن رام الله لتميم البرغوثي، وجيله، ولن تكون أبدا لأي خنزير صهيوني، أو حلوف إسرائيلي. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية