«حكاية عقل» ياسمينة صالح

دراسة ونقد: سعاد جبر
لغة التضاد المتحركة

تفتتح قصة "حكاية عقل" للكاتبة ياسمينة صالح كواليس بدء خطاها بخطوط منكسرة ترسم لنا معاناة أسرية اجتماعية يتمخض عنها ردات فعل سلبية في نهج قرارات عشوائية تعبر عن حجم الفجوة والتضاد في أتون حكاية أسرية مؤلمة تدور في عوالم عدم التكافؤ في الزواج بكل معانيه التي تندرج في وحي الطبيعة ومقتضيات التلازم المنطقي في الأشياء إذ تتشكل تلك الحالة في أتون انفجار ذات مقهورة في عوالم أنوثتها وإحساسها الغائب في ظل خيمة أسرية مشتتة غائبة عن وحي الرعاية الوالدية ونبض الحنان المتدفق؛ بحيث صورتها كاتبتنا في عباءة التسلط والتزمت والتفافها في ذاكرة الأنا المطلقة الذكورية في وجه مشاعر الأثوثة المحرومة المختنقة في أزقة الأبوة التقليدية المتعنتة في السلوك …القرارات..الرعاية الوالدية والشواهد على ذلك :
"أبوها رجل وصادف انه قرر نيابة عنها..لم تساهم بشيء..منذ البدء كانت القرارات تنهال عليها، فلا تملك سوى الاستجابة والخضوع
لم ترد..لم تعلق..صوته / عينه / عصاه اتخذوا القرار الجديد
وتتشكل في القصة حالة التضاد الشعوري التي تتسع لإستيعاب كل مفردات القهر والأنكسارات في قلب الفتاة النكرة المجهولة التي تدير كل أدوات الأحداث في القصة وذلك مستهدف من قبل الكاتبة لغايات عكس الألم والحسرة والغياب في شخصية بطلة القصة
والشواهد على حالة التضاد الشعوري الذي حركت الكاتبة من خلاله مفردات قلمها اللغوي لتعكسه بجلاء وعمق غواص في نفسية القارئ
"ابتسمت.. لم تنطق ببنت شفة.. ابتسمت فقط.. رماها أبوها بنظرة شزراء، متهكمة.. ابتسامتها تثير غيظه "
"تساءلت عن العلاقة بين ابتسامتها و غضبه؟ "
وتدور شخصية بطلة القصة في مرجل غليان ثورة ذبذبات فكرية داخلية مشحونة بالغضب … التساؤلات الحائرة …المفاجآت الصعبة..إنكسارات الشعور في آتون اللأمتناهيات …ردات الفعل الحادة في اتخاذ القرارات ومواجهة الزمان …المكان..الأبوة المتعنتة …الأمومة الغائبة الحاضرة …انكسارات زجاج الأنوثة الشعوري …المجتمع الخارجي؛ فكل ذلك شكل نقاط دماغية مستعرة تحمل معها عناصر قوة التحدي في ظل انكسارات قلبها التي يسمعها القارئ الغواص، في أجواء طرقات حارة باردة في الآن نفسه وهذا نتاج مخاض حالة التضاد الأسرية والغياب الوالدي إذ تشكلت لنا من خلالها مرآة أنوثة قلقة مربكة، تحمل القوة والضعف معاً في تعالى الصعود للقوة بشكل فج وتساقط الذات في منزلقات الضعف الغائرة بلا نهايات بسلبية منكسرة، وتتراقص هذه المعادلة الشعورية المتناقضة على طرقات سيمفونية الهذيان …التساؤلات …البحث الحائر الفضولي …النظرات التائهة الذكية …المشاعر المرهفة..الجراح النازفة بصمت …القرارات الهوجاء الساخرة …دروان الأنا في التحدي مقرونة بلهيب ألم الإنسلاخات الهائمة في آتون مشاعر الإحساس ….العذابات ….اشتياق الحنين للأمومة وتحسس نعومتها المطلقة التي لا تلبث تنفجر منها انتفاضة الرفض ولغة التضاد المتحركة في كل اتجاهات دوران بوصلة القصة الحائرة في جميع مقاطع جسدها وذاكرتها المتخمة بزخم الأفكار في الذات والآخر المستبد والمحيط القفص الذي يقيد الحراك …القرارات …نشوة الأمل..البحث عن الذات.
وفي ظل نمنمات تلك الأحداث الموجعة المحرقة تتحرك عقدة القصة شيئا فشيئاً بسلاسة ورتابة لتكشف لنا هذه اللوحة الاجتماعية المؤثرة لبطلة القصة بكافة عناصر أطيافها الرمادية وأفكارها التي تعج بالفوضى والضجيج المصطخب وفقدان التوازنات
وتدور القصة في زمان مفتوح لأحداثها بحيث يمنحها الإستمرارية لهذا الجيش من الأحداث في واقعنا الاجتماعي
وتسجل أحداثها في مكان مغلق مقيد يحمل لفة رمزية تخص بيت أسرة مكسورة الجناح تنعكس منه مرجل الأختناقات وتدور في مساحاته الضيقة في المكان والممتدة في الآهات وصرخات الذات الثائرة المتولدة من مخاض الحيرة والتساؤلات والتهكم بمجريات الأحداث التي تحوطها وتحشرج صدرها وتعلن نفسها بإنكشاف صارخ بلغة مفتاح النجاة وتحرر في سخرية ساذجة معلنة في الابتسامات التي تقف حدا موجعاً بين الماضي المرير وعذاباته والقادم بسخرية في ذهول مفاجأته وتناقضاته
وهكذا تعلن القصة نهايتها في تسجيل حواري يبز لفة التأفف من الأنوثة ووأدها في عوالم الرغبات وسطوة الرغبة الجامحة نحو الوجود الذكوري والتوق لميلاده مقرونة بسخرية صارخة من ميلاد أنثى..وجود الأنثى … عوالم الأثوثة في الحياة
ويؤطر ذلك الانبعاث السلبي للرغبات بيت أسرة المتناقضات، الأعراف البالية، التفكك المتوزع في جميع أركانه المعنوية
فقدمت لنا كاتبتنا المبدعة نهاية تعزز لغة الواقع المتأزم بإنكسارات المشاعر وإيذاء الأرواح وسلبها طاقاتها في الإنبعاث المحلق في أجواء العدالة الروحية …الأسرية …الإجتماعية.
ويتسق عنوان القصة ـ موضوع الدراسة ـ المعلن في لغة الحكي التي لا تنتهي؛ وذلك لأنها تعبر عن متتاليات لامتناهية لمتناقضات المجتمع في ظل البيوت المنهكة بأسرارها المخبئة في سلة يومياتها العابرة بحيث يطفو على سطحها بفوضى عارمة مشاعر الأنوثة المجهضة وسطوة الرعاية الوالدية وذبذبات الغرابة في نهج اتخاذ القرارات المختلطة بردات الفعل السلبية، وتتشكل على السطح نبض أمومة بارد غائب مغيب حار في لغة التضاد وكل ذلك أفرزته خارطة دماغية متناقضة مشحونة بمخاص آلام بطلة القصة المنكسرة لذا فقد وفق قلم كاتبتنا المبدعة في منح تلك الخارطة الدماغية المتناقضة جواز سفر أدبي لعنوان قصتها المبدعة فشكلته بـــ" حكاية عقل "
وعند تلك الدقات المئذنة بإسدال ستار " حكاية عقل " أسدى كل تحايا الورد لكاتبتنا المبدعة " ياسمينة صالح " وفي انتظار المزيد من إبداعاتها الأدبية. سعاد جبر