«تألـْهُن» الفقيه.. في تفسيره وتأويله

الطامة الكبرى عندما يدخلون اجتهاداتهم في السياسة

يقول السيد محمد باقر الصدر في الحلقة الأولى من كتاب «دروس في علم الأصول»: «بعد أن آمن الإنسان بالله والإسلام والشريعة، وعرف أنه مسؤول بحكم كونه عبداً لله تعالى عن امتثال احكامه، يُصبح مُلزما بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة والشَّريعة الإسلامية». وهذا الكلام يعني أن الإنسان مُلزم بامتثال احكام الله الموجودة في الشَّريعة، لكن السيد الصدر يعود فيقول: «ولو كانت احكام الشَّريعة في كل الوقائع واضحة وضوحاً بديهيا للجميع لكان تحديد الموقف العملي المطلوب تجاه الشَّريعة في كل واقعة أمراً ميسوراً لكل أحد، ولما احتاج إلى بحث علمي ودراسة واسعة» وهذا يعني أن الأحكام المطلوب منّا الامتثال لها غير واضحة في الشَّريعة!

وبين النتيجة الأولى والثانية تعارض واضح، فهو في الأولى يقول بأن على الإنسان أن يتَّبع أحكام الله الموجود في الشَّريعة، وفي الثانية يُـقرّ بأن الاحكام الموجودة في الشَّريعة ليست من الله! لكن كيف يتوجب علينا أن نطيع احكام الله الموجودة في شريعة لا تتضمن احكام الله؟!

هذا التعارض يتضمن أكثر الإشكاليات عمقاً في الدين الإسلامي، وفي كل الأديان السماوية بنحو ما، فهذا الدين يكتسب شرعيته من كونه يتضمن احكام الله التي اراد من البشر اتّباعها حرفيّاً ليعم خيرها عليهم، لكن المشكلة أن الأعم الأغلب من هذه الأحكام غير معروفة، لذلك يتم الاستعاضة عنها بآراء العلماء، فتكون النتيجة أن هذا الدين لا يتضمن احكام الله بل آراء العلماء، ظنونهم بالأحرى. لكن كيف ولماذا تتم عملية الاستعاضة؟

نجد الجواب في نفس كتاب الدروس، حيث يقول الصدر ما مُلخَّصه؛ بان علم الفقه مسؤول عن تحديد الاجراء الذي يجب على الانسان ان يتخذه عندما يواجه موقفاً لا يعرف حكم الله فيه. ما يعني بأننا وعندما لا نعلم حكم الله بخصوص واقعة معينة، ونكون بمواجهة عدة احتمالات نلجأ إلى الفقيه لاختيار أحد هذه الاحتمالات، والسؤال: كيف نعرف بان الاحتمال الفلاني هو الذي يمثل حكم الله وليس الاحتمال العلاني؟ الجواب المألوف هو: صحيح أن الاحتمال الذي اختاره الفقيه قد لا يكون صحيحاً، لكن الله سيرضى عنّا لو اتبعناه حتى لو كان مخطئاً، لأنه بذل جهده في البحث عن الحكم الصحيح، لكن المشكلة تبقى قائمة، فهذا الحكم قد لا يمثل إرادة الله، والفقيه قد يكون كاذباً أو مغرضاً أو ذو نوايا سيئة! ثم لو كانت القضية تحتمل الآراء بهذا الشكل فلماذا أرسل الله رسولا حصَّنه بالعصمة المشدَّدة، التي تلزمه بتبليغ الاحكام فقط وعدم ابداء رأيه فيها؟!

بعبارة أخرى كيف يُعقل أن الله، من جهة أراد لأحكامه أن تصل لعباده واضحة ونقيَّة وخالية من اجتهادات حتى رسوله الأمين المعصوم من الخطأ، ومن جهة أخرى يتركها بعد ذلك ملتبسة وغير واضحة ليجتهد فيها الفقهاء بآرائهم مع أنهم غير معصومين ولا أمناء؟!

ما أريد الوصول إليه ليس التشكيك في الدين، فالدين يبقى ديناً محترماً واتباعه احرار في تقديسه والالتزام به سواء أكانت احكامه سماوية أم أرضية، لكن على الفقهاء أن لا يوهموا الناس بان فتاواهم تمثِّل أحكام الله، ثمَّ يُفْتون بقتل من لا يمتثل لها.

سعدون محسن ضمد

كاتب عراقي