«ايسوب» حكاياته وشخصيته

بقلم: السيد نجم
وعظ، على لسلن الحيوان

"حكايات ايسوب" من أشهر الحكايات القصصية والتي يقرأها الصغار على درجة المتعة نفسها للكبار. وقد أعتبرها البعض امتدادا للحكايات الخرافية التي وردت على لسان الحيوان وتسمى أحيانا "حكايات بيديا" نسبة الى راوي الحكايات الهندي، والتي ترجمها "ابن المقفع" بـ"كليلة ودمنة".
ومع أهميتها لم تترجم "حكايات ايسوب" إلى العربية إلا خلال السنوات القليلة الماضية بقلم "إمام عبد الفتاح إمام" (ترجم أكثر من مائتي حكاية، وأعيد نشرها في مشروع "الكتاب للجميع" الذي يعيد نشر أهم الكتب في عدد من الدول العربية وفى الوقت نفسه).
تتميز الحكاية الخرافية بأنها قصيرة وعلى لسان حيوان على الأغلب أو بعض ظواهر الطبيعة، تحمل في طياتها دلالات أخلاقية. أي أنها أخلاقية بالدرجة الأولى وليست تاريخية، وهو ما يميزها عن القصص المعروفة الآن. كما أنها تضم الأمثال والحكم وحكايات المغامرات والأحداث العجيبة.
وجدت الحكايات الخرافية في بداية الحضارة الاغريقية، وقبل "ايسوب" (ربما في القرن السابع أو الثامن قبل الميلاد). والطريف أن أغلب تلك الحكايات تنسب إلى "ايسوب" منذ القرن السادس قبل الميلاد.
وقد استمرت تلك الحكايات وراجت بعد فترة من حياة "ايسوب"، بل وظهرت في بلاد الرومان وغيرها من بعد. بعض تلك الحكايات الخرافية عرف صاحبها مثل أول مجموعة يونانية بقلم "بابيروس" وان قيل أنه جمع حكايات "ايسوب" وحولها الى صياغة شعرية. وكذلك عرف "أفيانوس" الأديب الروماني في القرن الرابع الميلادي. ومع ذلك توجد العديد من الحكايات مجهولة النسب حتى الآن.
وقد ازدهرت الحكاية الخرافية في أوروبا في العصور الوسطى، وظهرت مجموعة هامة بقلم "مارى دي فرانس". وبعدها ظهرت صورة أكثر تعقيدا سمين بملاحم الحيوان..مثل المجموعة المنتسبة للثعلب رينار وهو الذي يرمز الى الدهاء الإنساني.
وقد استفاد الأدباء والشعراء من تلك الحكايات في أعمالهم الأدبية والمسرحية في مرحلة متقدمة. وهو ما تجلى بارزا في أعمال الشاعر الفرنسي "جان دى لافونتين". ثم تتابع توظيف الحكايات الخرافية ليس فقط في الآداب الغربية بل والعربية أيضا.
الطريف أن يتحدث الباحثون عن "ايسوب" كما حدث مع غيره من المشاهير ..وتساءل البعض: هل "ايسوب" شخصية حقيقية؟
مجموعة تعتقد أنه من عادة اليونانيين أن ينسبوا الأعمال المجهولة إلى مؤلف ما..إن لم يكن لها مؤلفا. كما يرى فريقا آخر أن "ايسوب" شخصية شبه أسطورية وأنه المؤلف الحقيقي لتلك الحكايات.. بل ونسبوا اليه صفة الاصلاح والصلاح، حتى أنه أصلح من أحوال بعض الكهنة في عصره. أما الفريق الثالث (منهم هيرودوت) يؤكد أنه شخصية حقيقية غير أسطورية، بل وكان عبدا في أثينا وقد أعتقه سيده. وقد لاحظ البعض وأكد أنه شخصية حقيقية، وذكره بعض أعلام الأغريق في كتاباتهم (أفلاطون-أرسطو-أرستوفان-أكسينوفان).
وأي ما تكون الحقيقة، فالحكايات حقيقة ملموسة، حفظها التاريخ، وترجمت إلى العربية أخيرا. ومن المناسب سرد حكاية أو أكثر للتعرف على هذا الفن الإنساني الرفيع. حكاية "الثعلب والقناع": دخل الثعلب يوما منزل ممثل، وراح يعبث بجميع محتوياته، فوجد من بين ما وجد قناعا على شكل رأس غول أو «بعبع»، وهو من عمل فنان موهوب فأمسك به بقدميه وراح يقول: يا له من رأس جميل! خسارة أن لا يوجد فيه مخ!"
المغزى الأخلاقي: تريد هذه الحكاية أن تقول أن بعض الناس الذين يملكون مظهرا جسديا مؤثرا ينقصهم العقل!!

... ...

حكاية "العلاج السهل": تجمعت الأنهار يوما وتقدمت بشكواها إلى البحر، فقالت: "لماذا عندما نصل اليك ونغمرك بمياهنا العذبة الصالحة للشرب تقوم أنت بتحويلها الى مياه مالحة غير صالحة للشرب؟" استمع البحر الى شكوى الأنهار ولومها في صمت، ثم أجاب في هدوء:
"العلاج بسيط: لا تأتوا إلي، وعندئذ لا تكون مياهكم مالحة!"
المغزى الأخلاقي: تسخر تلك الحكاية من الذين يقدمون لغيرهم اتهامات لا مبرر لها!

... ... حكاية "الحمار في جلد الأسد": " ارتدى الحمار يوما جلد الأسد وراح يرعب الوحوش كلها، لكنه التقى بالثعلب وأراد أن يخيفه مثل بقية الحيوانات , فقال له الثعلب:
"صدقني كدت أنا نفسي أخاف منك لولا أنني سمعت نهيقك!"
المغزى الأخلاقي: الأغبياء يتخفون في ثياب الآخرين، ثم يفضحون أنفسهم لأنهم لا يكفون عن الثرثرة.

.. هذه نماذج ثلاثة مختارة من المجموعة المنشورة، لعلها تعبر عن ملامح الحكاية الخرافية، وسمات الكاتب "ايسوب" إن كان حقيقي أو لم يكن!

....................... د. السيد نجم