«المحنة» رواية عن معاناة المسلمين والعرب في أمريكا

بقلم: علاء بيومي
كتاب وفيلم.. وواقع

تقع أحدث رواية المحنة للكاتب الأمريكي المعروف أرثر ميلر في قرية سالم بمستعمرة ماستشوتش الأمريكية في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، وتدور حول الأزمة التي عصفت بالقرية الصغيرة في عام 1692 وأدت خلال شهور قليلة إلى سجن المئات وإعدام العشرات من أبناء القرية المتدينة بعد أن انتشرت هيستريا اتهام أبناء القرية لبعضهم بعضا ببيع أرواحهم والتحالف مع الشيطان.
وترتبط القصة بحياة طائفة دينية أمريكية معروفة بالتزامها الديني الشديد، وهي طائفة الأنقياء (Puritans)، والذين هاجروا إلى أمريكا من أوربا في أوائل القرن السابع عشر هربا بدينهم الذي نادى بالعودة بالمسيحية إلى صورتها النقية. وقد عرف الأنقياء بالتزامهم الديني الشديد، وبالتزامهم الحرفي بتفسير الإنجيل وتطبيقه في حياتهم، وبخوفهم الرهيب من الخطيئة ومن ارتكابها ومن الاعتراف بها، وبإيمانهم القوي بقوة الرب وسيطرته على جميع جوانب حياة الإنسان، وقسوة عقابه، وقله من سيختارهم لدخول نعيمه في الآخرة.
كما عرف عنهم عزلتهم واهتمامهم الكبير بقيم العمل والاجتهاد في الحياة الدنيا مما ساعدهم على مواجهة صعوبات الحياة القاسية في العالم الجديد - غير الممهد للحياة في ذلك الوقت - والارتفاع الكبير بمستوى إنتاجهم وقوتهم المادية، كما اهتموا بمصلحة الجماعة أكثر من حرية الفرد، وحاولوا تطبيق الدين وأحكامه الأخلاقية في كافة جوانب الحياة العامة والخاصة حتى أصبح مجتمعهم منقسم لفئتين (إما معنا أو ضدنا)، وحكم على القلة التي جرأت على إعلان اختلافها بالفناء خاصة بعد أن سيطر الدين على حكومة مستعمرة ماستشوتس نفسها.
ويقول المؤرخون أن تشدد الأنقياء الديني، وعزلتهم، وصعوبة الحياة في العالم الجديد وتحدياتها، وتغير الأوضاع الاقتصادية، وانتشار أفكار الحرية في أمريكا، ساعدت جميعا على انقراضهم في القرن التاسع عشر الميلادي، وإن بقى بعض ميراثهم في الحياة العامة الأمريكية مثل الاهتمام بالعمل وتقديس قيمه، ومحاولة تبرير الحياة العامة من منظور أخلاقي ديني (خير أو شر).
وتدور القصة عن مجموعة من المراهقات فاجئهم قس القرية وهن يرقصن سرا في الغابة ويحاولن لهوا الاتصال بالشيطان والأرواح الشريرة ومطالبتها بتحقيق أحلامهم المراهقة، وكان من بين الفتيات طفلة رجل الدين نفسه والتي لم تستطع مقاومة هول صدمة مداهمة أبيها لها ولأصدقائها فوقعت مغشي عليها، ولم تستطع الإفاقة من إغمائها هذا لساعات طويلة قضاها أبوها في استجوب قريبته (أباجيل) وخادمته (السوداء) اللتان كانتا مع الفتيات الراقصات، وأنكرت إباجيل والخادمة حادثة الرقص أو معرفتهما بما جرى للطفلة الصغيرة، وبمرور الوقت زاد خوف رجل الدين على ابنته لجهله بعلتها، ولخوفه من أن يفسر أبناء القرية مرضها على أنه نتاج لسكنى الأرواح الشريرة لجسدها، كما هي عادة أبناء قريته لجهلهم ولافتقارهم لمنطق الطب الحديث وسيطرة مشاعر الخوف الديني عليهم.
ولما رحل رجل الدين لقيادة القرية في الصلاة اجتمعت المراهقات حول سرير الطفلة الصغيرة خوفا وتواعدن على عدم إباحة سرهن خوفا من القرية ومن زعيمتهم أباجيل، والتي كانت أكثرهم تمردا وسيطرة، وفي هذه الأثناء أفاقت الطفلة من غفوتها وهددتها المراهقات الأخريات بعدم البوح بسرهن فخافت وصرخت صرخة عالية قطعت صلاة أهل القرية وسارعت لإلقاء نفسها من النافذة، وفي هذه اللحظة زادت شكوك أهل القرية في سيطرة الشيطان على جسد الطفلة الصغيرة، الأمر الذي دفع رجل الدين - بمساعدة أحد أصدقائه - إلى تعذيب خادمته السوداء لعله يجبرها على الاعتراف بأنها اتصلت بالشيطان وقادته إلى السيطرة على جسد ابنته.
وتحت ألم التعذيب اضطرت الخادمة إلى الاعتراف بأنها اتصلت بالشيطان وبأنه طلب منها السيطرة على جسد ابنته، بل طلب منها قتل رجل الدين نفسه ولكنها رفضت حبا منها لسيدها وتعبيرا له عن ولائها، وفي هذه اللحظة استراح رجل الدين وانتهت نصف مهمته، أما النصف الثاني فكان استجواب الخادمة الفقيرة ومعرفة مدى علاقتها بالشيطان وحجم المؤامرة التي دبرتها معه وشركائها في المؤامرة، ودفع الألم والحنق الخادمة الفقيرة إلى الاعتراف على بعض السيدات بالقرية كانت تكره بعضهن أو كن مكروهات من القرية.
وفي هذه اللحظة أدركت إباجيل قريبة رجل الدين، وأكثر فتيات القرية تمردا وفسادا الميزة التي باتت تتمتع بها الخادمة السوداء، فأسرعت وسط الحضور بالمبادرة بالاعتراف بأنها رأت الشيطان هي الأخرى، وأنها تعرف بمؤامرته وبأعضاء المؤامرة، وأنها مستعدة لكشفهم خلاصا بروحها من الشيطان وعودة بها إلى الرب مرة أخرى، وسرعان ما حذت بقية فتيات القرية حذو أباجيل، فلكن منهن عدو أو عدوة تريد الانتقام منها، وبدأت المحنة.
وكان لزاما على حكومة ماستشوتس المتدينة التدخل لمحاكمة المتهمين بالاتصال بالشيطان والتحالف معه، والذين أصبح أمامهم اختيارين لا ثالث لهما، وهما إما الاعتراف بتحالفهم مع الشيطان مثل المراهقات والاعتراف بالأسباب التي دفعتهم لذلك والوشاية بأسماء حلفاء الشيطان حتى يتم كشفهم ومحاكمتهم أيضا، وإما مواجهة تهمة التحالف مع الشيطان وعقوبتها الموت شنقا.
وأضطر البعض للاعتراف بالتحالف مع الشيطان إما للهروب من العقوبة، أو لصعوبة نفي التهمة عن أنفسهم (فليس من السهل على المرء تقديم أدلة تثبت أنه لا يتصل بالشيطان)، أو تطوعا من أجل إنزال العقوبة بشخص يكرهونه أو يريدون وراثته بعد موته أو لأنه سبق وعارضهم من قبل، حتى أن بعض رجال القرية شجعوا فتياتهم على الاعتراف بتحالفهم مع الشيطان للانتقام من بعض معارضيهم.
أما المتهمون الشرفاء ففضل الكثيرون منهم الموت على الوشاية بالأبرياء وعلى الحياة بسمعة ملوثة وتهمة لاصقة بهم وبأسرهم إلى الأبد، وهي تهمة "التحالف مع الشيطان".
واستمرت الاتهامات والمحاكمات في دوامة متنامية حتى طالت الكثيرين، وحتى ضاق أهل القرية بها، وشرعوا في الثورة على القس الذي سرقته قريبته أباجيل وهربت في جنح الظلام للعمل كعاهرة في نيويورك، وعلى المحكمة التي بدأت تدرك أنها في أزمة فحاولت سريعا لم القضية من خلال رشوة بعض المتهمين ومطالبتهم بالاعتراف بتحالفهم مع الشيطان لكي ينجوا بحياتهم.
وانتهت الرواية برفض أحد أبطالها الشرفاء الاعتراف على نفسه حماية لسمعته وسمعة أبناءه مفضلا الموت.
أرثر ميلر الذي عاش في النصف القرن العشرين لم يعش محنة قرية سالم التي وقعت فعليا في أواخر القرن السابع عشر، ولكنه عاصر أزمة أخرى دفعته إلى كتابة "المحنة" في الخمسينات من القرن العشرين، وهى أزمة "التحالف مع الشيوعية"، والتي عرفت بفترة الماكارثية، إذ شكل السناتور الأمريكي جوزيف ماكرثر في عام 1953 لجنة خاصة بالكونجرس للتحقيق في ظاهرة التعاطف مع الشيوعيين في أمريكا والعمل على اقتلاعهم مستفيدا من - ومؤججا - هيستريا العداء للشيوعية التي انتشرت في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأت دائرة التحقيقات والبحث عن المتحالفين مع الشيوعية، واتسعت دائرة المشتبه فيهم، والذين خضعوا لضغوط عديدة لجبرهم على الاعتراف بجريمتهم والوشاية بحلفائهم في التعاطف مع الشيوعية لكي ينجو من العقاب، الأمر الذي دفع البعض للوشاية بآخرين مما خلق شعورا متزايدا في أوساط الأمريكيين بسيطرة الشيوعية على المجتمع الأمريكي وأجج هيستيريا العداء للشيوعية، أما الشرفاء الذين رفضوا الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها والوشاية بالأبرياء فقد تم وضعهم على قوائم سوداء وتعرضوا لضغوط لا حصر لها.
الرواية بما تحمله من معاني عميقة ورموز هامة أصبحت جزءا من التراث الثقافي الأمريكي إذ أصبحت رمزا للمحن التي يمر بها الأبرياء في أوقات الأزمات ببلدان عديدة في فترات مختلفة، وأصبح تدريسها يعد ضرورة لتوعية الأمريكيين وأبناء الشعوب الأخرى بخطورة عقائد "الأنقياء" ونظرتهم للبشرية من منظور إما معنا أو علينا.
والطريف أن بعض أساتذة الجامعات الأمريكية درسوا رواية "المحنة" لطلابهم هذا العام وطبقوها بشكل مباشر على معاناة المسلمين والعرب في أمريكا، ولما كانت القصة واضحة التعبير عن رسالتها رأيت أن أخصص خاتمة هذه المقالة للتعبير عن عدد قليل من معانيها الخالدة التي يمكن الاستفادة منها فهم فيهم معاناة المسلمين والعرب في أمريكا خلال الفترة الحالية.
أول المعاني التي أود التركيز عليها هو أن الأصولية التي قادت إلى محنة قرية سالم في القرن السابع عشر ليست محدودة في دين أو زمان أو مكان معين، بل هي مصير كل من يتبعون عقائد الأنقياء ونظرتهم لدور الدين في حياة الإنسان.
ثانيا: يمكن تلخيص المحنة في عناصر خمسة أساسية، وهي:
(1) حالة عدم التسامح التي قادت إليها أصولية الأنقياء وتشددهم إلى الحد الذي قسم مجتمعهم لحزبين حزب الله وحزب الشيطان، ودفع أبناء القرية إلى الخوف من نقد الظلم عندما يرونه خوفا من اتهامهم بمساندة حزب الشطان، فقد أدرك الكثير من أبناء القرية ظلم المحاكمات وبهتان الدليل التي قامت عليه، ولكنهم جبنوا عن الاعتراض عليها خوفا من اتهامات العامة.
(2) الأصولية تصبح كارثة عندما تتبناها حكومة تملك أدوات البطش والقدرة على القبض على الأفراد، وتفسير القانون وتطبيقه، ومحاكمتهم، وإعدامه.
(3) الأصوليون والنفعيون يعيشون على - ويستنشقون - الهيستريا والتي تقضي على قدرة الأفراد على التفكير الهادئ المنطقي وتجعلهم مستعدين للشك في جيرانهم، وتمثل الهيستريا فرصة للمنتفعين للثورة وللتعبير عن كراهيتهم الدفينة والانتقام ممن يعادوهم.
(4) ما يقوم به الأصوليون والمنتفعون في أوقات المحن لا يرتبط بدين أو بمبادئ مقدسة، وإنما هو سعي مريض للحصول على القوة السياسية بمعانيها المجردة عن أي أخلاق أو قيم.
(5) النظام القانوني الذي تضعه الحكومات في أوقات المحن قد يبتعد كثيرا على العدالة باعتماده على الاتهامات والوشايات واعترافات المنتفعين والمعذبين.
وفي النهاية رسخت رواية المحنة مفهوما هاما من مفاهيم المحنة وهو مفهوم "صيد حلفاء الشيطان" (Witch Hunt)، والذي يعبر عن حملة سياسية لاقتلاع المعارضة لتحقيق منافع سياسية في وقت الأزمات الذي تسيطر فيها مشاعر الخوف والرهبة على الجماهير، وللأسف أصبح المسلمون والعرب في أمريكا من أكثر ضحايا من هذا المفهوم في الوقت الراهن. * علاء بيومي، كاتب عربي مقيم في واشنطن