«العلم» النَّجفية 1910!

بقلم: رشيد الخيوًن

لو اتصلت الدهور العراقية بعضها بالبعض الآخر، من عهد سومر وأكد وبابل وآشور، مروراً بعهود التَّنوير الفكرية، ومن دون اجتياح الظَّلام لقرون منها، لما جعلنا «مجلة بالنَّجف 1910» عنواناً للمقال، وكأن فيه شيئاً من الاستغراب والدهشة، وأكثر من هذا أن يكون اسمها مجلة «العِلم»! ومن دواعي الانبساط بهذا الاسم، هو أن كل التأكيدات على العِلم، في أمهات الحديث والكتب العامة، أشارت إلى علوم الدِّين، من فقه وحديث وقرآن، أو حصرها بالعلوم النَّقلية والعقلية، وكلاهما ذات مسحة دينية!
لهذا نجد في صدور مجلة عنوانها «العِلم» بالنَّجف تحريكاً لركود طال حتى تجاوز العراق العثماني، فلا مدارس سوى مدارس تعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن، ثم المدارس الدِّينية، وإن كان فيها من علوم المنطق والفلسفة لكن بحدودهما الدينية أيضاً، فليس هناك موقع للفلك أو الكيمياء أو الفيزياء أو الرِّياضيات. فهذا المهتم بالكيمياء وكتبها خالد بن يزيد بن معاوية (ت 85 هـ) ظل موقع سخرية وتهكم، لأنه اهتم بهذه الصَّنعة، وتفرغ لأمر الكتب، وهي من غير كتب الدِّين.
قال له أحدهم لما فسر قوله أنه يقلل من شأن أهل المدينة، وهو منهم: «قَدم قومٌ من أهل المدينة على النَّواضح (الأبل التي يستسقى عليها الماء) فنكحوا أمك وسلبوك مُلكك، وفرغوك لطلب الحديث وقراءة الكتب، وعمل الكيمياء، الذي لا تقدر عليه» (الأصفهاني، كتاب الأغاني). ويقصد زواج مروان بن الحكم (ت 67 هـ) من أم خالد، وخطفه للخلافة من آل سُّفيان. وهكذا استمرت صورة العلم مشوهة في الأَذهان بالعالم الإسلامي، أما ما وصلنا من كتب الأَقدمين ومناظراتهم في العِلم فهي محصورة بأسر أغلبها ليس من المسلمين، وليس هناك من العرب إلا ما ندر.
على أية حال، ان وجود مجلة «العِلم» في العشرة الأولى من القرن العشرين، وصدورها من قِبل رجل دين وشخصية استثنائية في زمنه، أمر ليس بالهين، إنه العلاّمة هبة الدِّين الشهرستاني (ت 1967).
كانت التفاتة قيمة من قبل مكتبة الروضة الحيدرية، التي على ما يبدو ستستمر بمشروعها في إعادة إصدار كلِّ الدوريات النَّجفية، حسب إشارتها إلى أنها الأولى في سلسلة صحافة النَّجف العربية، فما أحوجنا لقراءة «الهاتف» و«الحبل المتين» مثلاً. كذلك أعطى مقدمها الأكاديمي علاء حسين الرهيمي صورة وافية لتاريخ المجلة. وهنا يُهاب بكلِّ مكتبات المحافظات، وفي مقدمتها بغداد، أن تحذو حذو مكتبة الروضة في إحياء صحافتها، فقد وجدتُ مكتبة مصرية أخذتها الغيرة على تصوير وإصدار مجلة «لغة العرب»!
استمرت «العِلم» بالصدور لفترة (1910- 1912)، تناولت مختلف الموضوعات من المجتمع، والعلوم، والاكتشافات، والصناعات، استفاد منشئها كثيراً من رحلاته إلى الخارج، ثم تدريسه لعلم الهيأة بالنَّجف. ومثل هذا العالم كان وراء الإفتاء بتحريم نقل الجنائز، ومحاربة البدع والعادات السيئة، وهو بهذه المواصفات لا يكون موقفه إلا مع المشروطة عند الخلاف في مسألة الدستور (1906). وما يلفت النَّظر أن مجلة «العلِم» كانت منفتحة، تجاوزت عُقم أيامنا الحاضرة، فالصحافي النَّجدي سليمان أفندي الدَّخيل (ت 1945)، تلميذ محمود شكري الآلوسي، يديرها ويصدر آخر أعدادها، وهو صاحب جريدة «الرياض» الصادرة ببغداد.
أفادتنا مجلة «العِلم» بما ورد على غلافها: «النَّجف من قطر العراق»، وعلى بعضها «العراق العثماني»! بأن العراق كان قطراً وبهذا الاسم، وهو ردٌّ قاطعٌ على مَنْ ظل متمسكاً بأكذوبة أن العراق بلدٌ مختلقٌ مفتعلٌ، لم يوجد قبل 1918، إنما هناك ثلاث ولايات منفصلات: بغداد والبصرة والموصل، لا العراق! رشيد الخيوًن