«الطوايط» المغربي: فروسية وطرب ومؤاخاة بين العرب والبربر

الخميسات (المغرب)
رائحة البارود

روائح البارود تزكم الأنوف، والدموع تغمر العيون، والغبار المتطاير من حوافر الخيل يملأ الأجواء، ويضفي على المكان هيبة وجلالا.. ملابس الفرسان البديعة، وسروج الخيل المزخرفة بألوان رائعة الجمال، والخيام الضخمة المزركشة، المبثوثة، في كل مكان، على مد البصر، في أراضي عشيرة "جناتن" البربرية البدوية، تطبع المكان بلمسة رومانسية بارعة، تحيل إلى ماض لا يزال حاضرا بقوة في المشاعر والنفوس.
أناس من أعراق وقبائل شتى، يجتازون المفازات والفوارق بينهم، ويلتقون بالأحضان، بلهفة وشوق، كأنهم الإخوان.. بل أكثر من الإخوان.. يلتقون جميعا في مهرجان يقام هذه الأيام قرب مدينة الخميسات، في منطقة الأطلس، في المغرب الأوسط، وهو مهرجان من نوع خاص، تجتمع فيه أشياء عديدة لا تجتمع في أي مهرجان سواه في العالم..
إنه أكثر من مهرجان.. موعد يضرب مرة في العام، في ظروف الخصب، والاستقرار السياسي، تلتقي فيه أفواج من الناس من العرب وإخوانهم البربر، في أجواء روحانية واجتماعية رائعة، يمتزج فيها الطرب البربري والعربي بألعاب الفروسية، وتذبح الذبائح كل يوم، ويعاد تمثيل أحداث الماضي الغابر المطبوع بحروب القبائل على الكلأ والماء والأرض، ولكن بروح أخوية تطوي الحروب والخصومات، وتقيم بدلا منها مشاعر المحبة والولاء والتآخي. تحالف قبلي على قاعدة دينية إنه مهرجان "الطوايط" والمفرد "طاطا"، الذي يعيد إحياء عهد وتحالف قبلي قديم، يحتفل الناس بذكرى توقيعه، بمشاعر مفعمة، تختلط فيها الحقائق بالأساطير، وتمتزج الوقائع بقصص الجن والعفاريت و"الأسياد"، أصحاب الجاه والحظوة والسلطان.
و"الطاطا"، وربما كانت كلمة بربرية، علاقة تحالف ومؤاخاة بين قبائل كانت متنازعة، سالت بين أبنائها دماء غزيرة، وتوصل حكماؤها وفقهاؤها ورجال العلم والتصوف والدين فيها، الذين ضرستهم الحروب، وسبكت معادنهم التجارب وتقلبات الزمان، إلى صيغة دينية واجتماعية مبدعة وخلاقة، تحفظ الدماء، وتضع للحرب حدا، وتحيل مشاعر العداء والتنابذ إلى مشاعر مؤاخاة ومودة قل لها النظير، وتضمن لها الاستمرار والدوام، عبر ابتداع أشكال عبقرية من العلاقات يقل، بل ربما ينعدم، فيها الاحتكاك، الذي تولده ظروف الحياة والمعايشة، ويصنع بين الناس الحزازات والعداوات والصراع.
ويختلف عوام الناس في تحديد تاريخ بدء هذا الحلف القبلي، ولا يكادون يجمعون على تاريخ محدد له، وما يجمع بينهم هو صيغ المبالغة في تحديد هذا التاريخ، إذ يذهب به البعض إلى بدء الخليقة، ويرجعه آخرون إلى عهد الأنبياء الأولون، وفي الحد الأدنى إلى عهد صحابة النبي محمد عليه السلام. في حين تذهب الباحثة المغربية خديجة أولاد عدي إلى أن الظاهرة ترجع تقريبا إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حين كانت قبيلة "زمور"، وهي قبيلة بربرية كبرى، تعتبر بمثابة دولة داخل الدولة، تشمل بحمايتها القبائل الصغرى من حولها لمنع القبائل الأخرى من العدوان عليها.
وقالت الباحثة أولاد عدي إن القبائل الصغرى المجاورة لقبيلة زمور كانت تتعرض لهجمات القبائل الأخرى، في صراع مستمر على الماء والأرض ومناطق رعي الماشية، وأن حكماء القبائل أقاموا ذلك الحلف على شيء موحد يجمع القبائل البربرية مع القبائل العربية، ألا وهو الإسلام، الذي ترسخت جذوره في المغرب، وصار قاعدة الإجماع الأهلي والرسمي في المملكة السعيدة على امتداد قرون متطاولة.
ويبدو الطابع الديني للحلف واضحا بجلاء من حديث الناس، ومن أشكال العلاقة بينهم، خلال أيام المهرجان، ومن الطقوس التي ترافق حركتهم، وأهم من ذلك من خلال وثيقة العهد، التي أكلت منها الأيام، وأعطبت أجزاء منها، حتى صارت قراءة بعض ما فيها صعبة بل مستحيلة. وقد أطلعنا "عمي العربي"، على تلك الوثيقة، التي لا تحمل تاريخا محددا، ويحتفظ بها الرجل في مغلف بلاستيكي لحمايتها، ولا يسمح للأطفال بمجرد الاقتراب منها، فضلا عن لمسها، وذلك من أجل حفظها وحمايتها من التلف، باعتبارها الأساس القانوني لذلك الحلف القبلي الموغل في القدم.
ويبدو أن عددا كبيرا من الفقهاء ووجهاء القبائل قد ساهموا في صياغة هذه الوثيقة، يظهر ذلك من نصها المكون من فقرات قصيرة، مكونة من أربعة إلى خمسة أسطر، تبدأ كلها بالبسملة والصلاة والسلام على النبي، وتورد الكثير من الآيات والأحاديث النبوية.. وتحث الوثيقة على التقوى والتآزر والتآخي والوفاء بالوعود والعهود والمواثيق، وتحذر من الغدر والخيانة، وتعد من يفعل ذلك بالنار، ومن يجتنبه بالجنة والرضوان.
"سي عبد الرحمان" وهو أحد أعضاء هيئة الحكماء في هذا الحلف القبلي لا يتورع عن القول إن هذا الحلف يرجع إلى عهد الأنبياء القدماء، وأنه متوارث بين الناس منذ ذلك الزمان. ولا تعدم من العوام الأميين من يقول لك إن الملائكة حضرت توقيع وثيقة ذلك الحلف، وأن جبريل عليه السلام كان شاهدا عليه بنفسه، وأن مجرد الإخلال به يقذف بصاحبه في نار جهنم خالدا مخلدا.
"سي عبد الرحمان" ذاته، وهو عاشق للخيل وللمهرجان، ويشفى من أمراضه جميعا عندما يقترب موعد "الطوايط"، يعطيك في حديث ثان معه تاريخا آخر لبدء ذلك التحالف.. إنه يرجعه هذه المرة إلى عهد "الوقاص"، في إشارة إلى الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، خال النبي عليه السلام، ويقول واثقا مما يتحدث به، إنه هو واضع هذا العهد، ولا يجد ما يدعوه إلى مراجعة موقفه حين يقال له إن الصحابي سعد لم يدخل شمال إفريقيا في الفتوحات الإسلامية، وأنه فاتح العراق وبطل القادسية، ولم ييمم وجه شطر المغرب الكبير.. وإلى جوار سي عبد الرحمان كثيرون من كبار السن مثل سي محمد وسي بوعزة يؤمنون بمثل هذه الاعتقادات إيمانا راسخا لا يقبل الجدل، وهو ما يضفي على العقد والميثاق، الذي قام عليه الحلف، قدسية خاصة في نفوسهم، وهذا هو جوهر الأمر وبيت القصيد. مواعيد المهرجان وتاريخه "الحاج ميلود"، وهو أحد وجهاء قبيلة أولاد بورزين العربية المتحالفة مع فخذي "آيت ع الله" و"جناتن" البربريتين المنحدرتين من قبيلة "احودران" يعطي سائله معلومات قريبة إلى الدقة والمعقولية بالنسبة لتاريخ الحلف، إذ يرجعه إلى أربعة أو خمسة قرون خلت. وتراه يفصل لسامعه ظروف قيام هذا الحلف وأسبابه الواقعية والتاريخية، ويعطي سائله معلومات ضافية ومفصلة عن "مؤسسات" هذا الحلف، وآليات حل الخلاف فيه، ومواعيد اللقاء ودوريته. وتسمعه مرارا وتكرار يؤكد أن حلف "الطوايط" موجود بين العشائر المقيمة في المناطق الممتدة من الرباط والدار البيضاء وحتى مدينة الخميسات، "ولكن ما بيننا وبين آيت ع الله وجناتن هو الفائز بقصب السبق"، كما يقول.
وينتظم المهرجان في الأصل مرة كل عام، لكنه ينقطع في ظروف القحط، أو تراجع محصول "الغلة" أو "الصابة"، أو إذا شهد المغرب ظروفا سياسية غير عادية، مثل وفاة ملك، أو وجود قلاقل أو حرب. لكن المهرجان لم ينقطع حتى في عهد الاستعمار، و"كانت فرنسا لا تقترب منا أو تمنعنا من اللقاء" كما قال سي محمد وهو مسن جاوز السبعين، وشارك في بعض حروب فرنسا الاستعمارية قبيل استقلال المغرب في عام 1956.
وكان المهرجان قد توقف منذ عام 1983 بسبب الجفاف الذي عرفته المغرب خلال الثمانينيات وجانبا من التسعينيات، وبسبب مشكلة الصحراء، ولم يعد إلى العمل به سوى العام الماضي، وقد أقيم في ضيافة عشيرة "آيت ع الله"، وأقيم هذا العام في ضيافة عشيرة "جناتن". أما العام القادم فمن المفترض أن يستضيف "أولاد بورزين" عشيرة "آيت ع الله"، على أن يستضيفوا "جناتن" في العام الذي يليه.
ويستضيف أهل العشيرة، التي يقام المهرجان على أرضها، ضيوفهم في منازلهم وخيامهم، ويستحيلون إلى ما يشبه الخدم لدى هؤلاء الضيوف المبجلين والمميزين، الذين يترأس كبيرهم مجلس الحلف، وينوبه كبير العشيرة المضيفة. ولا يرد المضيفون طلبا لضيوفهم مهما كان. لكن الضيوف يعرفون طبعا "حدود" طلباتهم. ويعيش أهل المكان وضيوفهم فترة من الزمن في مجتمع مثالي لا خلاف فيه ولا مشاحنات. ويلعب الضيوف دورا مهما في إصلاح ما فسد من علاقات اجتماعية بين الأخوة وأبناء العمومة بسبب الميراث والمشاحنات التي تولدها الحياة اليومية، ولا يستطيع المضيفون، مهما كانت خلافاتهم، الاعتراض على مساعي الصلح التي يرعاها ضيوفهم.
ويقام المهرجان لمدة أسبوع في العادة، وتذبح فيه العشرات بل ربما المئات من الذبائح، لكن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها المغاربة وخاصة من أهالي الأرياف والبوادي جعل حكماء العشائر ووجهاءها يقررون تقصير مدة المهرجان إلى خمسة أو ستة أيام، مثلما يقررون منع البذخ والإسراف، حتى لا يتم الإضرار بالحالة الاقتصادية للفقراء من الناس. إعادة تمثيل الماضي معظم المغاربة ممثلون بارعون، وأكثرهم براعة في التمثيل المتسولون، فقرب الأسواق، في معظم المدن المغربية، تقام حلقات يديرها محترفو كلام و"حكواتية" ورواة قصص قديمة، يظهرون براعات في التمثيل لا تضاهى. وفي مهرجان "الطوايط" يعاد تمثيل التاريخ القديم، تاريخ الغزو والحروب بين القبائل، وكيفية الانتقال من حال الحرب إلى حال السلم.
ويبدأ مهرجان "الطوايط" بالتجمع في الحقول وقضاء الليل هناك، مثلما كان يفعل الرحل والغزاة في الماضي البعيد.. عائلات تتجمع متباعدة تحت شجر الزيتون أو في العراء، والخيول مربوطة بقربها. وعند الساعة السابعة صباحا يكتمل التجمع لمن لا يستطيع النوم في العراء، يأتون بسياراتهم من كل حدب، وتبدأ رحلة "الغزو" المستعادة.. زحف بطيء نحو موطن "العدو"، و"عبيدات الرمى" بأسلحتهم يتقدمون ويطلقون النار كما كان جدودهم يفعلون قبل قرون، وعند منتصف الطريق يلوح "العدو" عن بعد وقد تجمع بنسائه ورجاله، كما كان يفعل في الماضي، ثم يبدأ "العدو" المستضيف في التقهقر، كأنما يضع مكامن للغزاة الزاحفين.. يتقدم الركب من جهة ويتراجع الآخر من جهة ثانية، حتى إذا اقتربت المسيرة الضخمة من محل إقامة القبيلة المغزوّة يبدأ ما يشبه المفاوضات ويتبادل الفريقان المراسيل، والخيول تجوب الميدان الفاصل بين الطرفين، وتبدأ الأعلام البيضاء في الظهور.
وحين يقترب الضيوف "الغزاة" يقع إبعاد راكبي الحمير والبغال من الفقراء من مكان الاستقبال، لأن الضيوف أعز من أن يستقبلوا بغير الخيل المسومة البديعة، تملأ الميدان سباقات ومنافسات بريئة.. وتبدأ الصفوف تتقارب، ويلوح في الأفق "الصلح" بين الفريقين، ثم يستقبل الفريقان بعضهم البعض بالعناق والدموع و"يتمرغون" في الأرض تجديدا للحلف القديم.
ويتميز حلف "الطوايط" بما لا يوجد في سواه من الأحلاف الأخرى بين القبائل مشرقا ومغربا. إذ يقوم على مؤاخاة بين قبائل وعشائر تحول التقاليد المرعية فيها دون زواج أبنائها بعضهم من بعض. ويروي الناس أنه لما أقيم الصلح بين القبائل، وسعيا لتثبيته في النفوس، تفتقت عبقرية "القطب" (وهي إشارة صوفية في بلد عامر بالتصوف) والفقهاء، الذين وضعوا فكرة الصلح ثم الحلف على آليات مبدعة لحماية هذا الحلف من الانفصام، وذلك بأن جمعوا النساء المرضعات في الصفوف الأولى من الجانبين، ومن ثم تبادلت نساء هذه القبيلة أطفالهن مع نساء القبيلة المقابلة، وأرضعنهم من صدورهن، ليصبح الجميع من الأجيال اللاحقة إخوة في الرضاعة، لا يجوز الزواج بينهم.
في حين تذكر رواية أخرى أنه تم جمع النساء المرضعات من القبيلتين وجرى حلبهن في إناء كبير، ووزع الحليب على الكبار والصغار، لضمان حصول المؤاخاة، حتى يرتدع من في نفسه مرض عند اللقاء عما في نفسه.. ولذلك السبب لا يجد الناس من الفريقين حرجا في معانقة الجميع وتقبيلهم نساء ورجالا والدموع تفيض من العيون.
ويبدو أن الهم الأمني الذي رافق قيام الحلف، بل كان سببا له، جعل واضعيه يفكرون في اجتناب كل ما من شأنه أن يعكر صفوه. وتأتي المؤاخاة ومنع الزواج كواحدة من الآليات في ذلك. فالقبائل عندما تختلط الأنساب بينها قد تختلف ويتصارع أبناؤها على المواريث وشؤون الدنيا، أو قد يتصارعون بسبب التجارات والأموال وسواها، ولذلك يمنع على أبناء الفريقين الزواج من بنات الفريق الآخر، مثلما تمنع عنهم التجارة أثناء المهرجان، لأن ذلك قد يؤدي إلى ما يخدش المؤاخاة، بسبب تطفيف أو نقص في الكيل والميزان.
وهكذا يصفو اللقاء من المكدرات، ويعيش الناس في "الطوايط" أسبوعا أو أقل من ذلك في مجتمع مثالي لا صراع فيه ولا نزاع، ويمضون أوقاتا ممتعة مع الشواء وسباقات الخيل إلى سهرات الغناء العربي والبربري أو ما يسمى بـ"أحيدوس".. أما من ضاع له مال أو متاع ففي "الحفرة" التي تحظى بقدسية بالغة يجد ما ضاع له مصونا مضمونا لا نقص فيه، ولو كان بحجم مال قارون كما يقول الناس.
والناس يتوارثون "طوايطهم" الأبناء عن الآباء، كما يتوارثون المال والمتاع، فإذا كنت "طاطتي" وكنت "طاطتك" فأبناؤك يرثون أبنائي باعتبارهم "طاطات" لهم، وأبنائي كذلك، وتستمر "الطوايط" ما استمرت الحياة، وكان ذلك خلال القرون الماضية.. أما اليوم فإن الجيل الناشئ يبدو أقل اعتقادا في قدسية "الحفرة"، وأقل حاجة "للطوايط"، وأقل اهتماما بالموضوع جملة وتفصيلا، وإن كان البعض من المهاجرين المغاربة، مثل الحاجة عيادة قد جاءت خصيصا من هولندا لحضور "الطوايط"، ويأتي آخرون من أمريكا وكندا وبريطانيا وسائر أوربا لليوم المعلوم.
ولعل سر تراجع "النية" و"الاعتقاد" في "الطوايط" يعود إلى التحول الحاصل في المجتمع المغربي المزاوج بارتباك وفوضى بين الأصالة والمعاصرة، فترى الفتيات عاريات الشعر، لابسات أحدث موديلات الجنز بالقرب من "الحفرة" بشموعها وما يتلبسها من عفاريت وأسياد، مثلما يعود إلى فقدان الحاجة الموضوعية، التي استدعت وجود "الطوايط" أصلا وهي حروب العشائر والقبائل، التي استبدلت بسيطرة الدولة المركزية..
ويبدو أن موجة التحول الاجتماعي، التي يعرفها المغرب قد أذهبت هذا العام شيئا من براءة "الطوايط".. فقد شهد المهرجان للمرة الأولى هذا العام، منذ قرون خلت، أول عملية سرقة منظمة لكيس المال، الذي يجمعه "عبيدات الرمى"، ويقتسمونه في ما بعد مع "الجماعة" أو الهيئة المشرفة على الحلف، لتدير به شؤونه.. فقد تراجعت "النية" وضعف الاعتقاد وفسد الناس، كما يقول "عمي العربي"، الذي كان يتحدث عن عملية السرقة، التي رزئ فيها "العبيدات" في ما يعادل 3 آلاف دور جمعوها بالملاليم خلال الأيام الأولى للمهرجان. (قدس برس)