«الرئيس» بلير يهيمن على السياسة البريطانية

لندن - من روهان مينوج
بلير يعشق السلطة، ويرى ان منصبه هو افضل وظيفة في العالم

يظهر توني بلير أفضل أداء له في وقت الازمات. عندئذ، تخرج كافة القرارات السياسية من مكتب رئيس الوزراء، وتأتي كافة التصريحات المهمة على لسان متحدثه الصحفي، ثم تعقب الاقوال الافعال.

في أوقات كتلك، وقد كان هناك بالفعل عدة أزمات منذ تولي بلير منصبه قبل حوالي خمسة أعوام، يشار إليه مزحا على أنه "الرئيس بلير".

والامثلة على ذلك كثيرة، عندما تسبب سائقو الشاحنات البريطانيون في أزمة شديدة من خلال إضراباتهم ومظاهراتهم احتجاجا على ارتفاع أسعار النفط العام الماضي، برز بلير في المقدمة، حيث هدد هؤلاء الذين أغلقوا معامل تكرير البترول باتخاذ إجراء صارم ضدهم، ومارس ضغوطا على شركات النفط لكي تتحدى الاضرابات.

وخلال هذا العام، أحدثت أزمة مرض الحمى القلاعية، التي بدأت في شباط/فبراير الماضي، دويا شديدا، ووجهت اتهامات متكررة لمسئولي الزراعة بالتصرف بعصبية، غير أن بلير تدخل بنفسه، وأرسل الجيش واتخذ إجراءات حاسمة أدت إلى اقتلاع الوباء.

وكانت الطريقة التي تناول بها بلير المشكلة الافغانية شبيهة بما فعله إزاء صراع كوسوفو قبل عامين. وعندما لاح العمل العسكري في الافق، جلس بلير أمام كاميرات التلفزيون، مكررا تعهداته بأن بريطانيا سوف تقف جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة في مجهوداتها الرامية إلى القضاء على تنظيم القاعدة وحركة طالبان.

وفي أعقاب الهجمات الارهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 أيلول/سبتمبر الماضي، سافر بلير إلى الشرق الاوسط، وروسيا وشبه القارة الهندية، في محاولات دؤوب لانجاح دبلوماسية الازمات.

وعلى النقيض من ذلك، كانت الجولات التي قام بها وزير الخارجية جاك سترو مجرد عرض جانبي، على الرغم من أنه كان أول وزير كبير بالحكومة البريطانية يزور طهران منذ عام 1979، كما ضاعت تصريحات وزير الدفاع جيف هون وسط الجلبة، بغض النظر عن محتواها.

وتغطي شخصية رئيس الوزراء على شخصيات وزراء الحكومة بشكل كبير. والاستثناء الوحيد هو وزير المالية جوردان براون، والذي يوجد صراع معروف بينه وبين بلير على الهيمنة على حزب العمل.

ويبدو بوضوح أن رئيس الوزراء يجد متعة بالغة في دوره، فقد وصف منصبه ذات مرة بأنه أفضل وظيفة في العالم، ومن الممكن رؤية ذلك من خلال خطواته الجادة على أرض المطار قبل أن يصعد على متن الطائرة التي ستقله إلى الخارج للاجتماع مع زعماء دوليين، ومن خلال شفتيه المضمومتين وجبينه المقطب، ذلك التعبير الذي يواجه به أسئلة الصحفيين.

ويجب أن يضع بلير ختمه على كافة مبادرات السياسة الداخلية قبل أن تدخل حيز التنفيذ.

وفي أوائل شهر كانون الاول/ديسمبر الحالي، واجه بلير الصحافة بشأن النظام الصحي الذي يعاني من مشكلة نقص التمويل، متعهدا بتخصيص المزيد من الاعتمادات لهيئة التأمين الصحي التي تقدم علاجا مجانيا لكل المقيمين على ارض بريطانيا.

وأغضب بلير وزير الصحة عندما أدلى بخطاب سياسي واضح رفض فيه اقتراحات المعارضات وثرثرة بعض أعضاء حزبه بِشأن إحداث تغيير في السياسية للتحول من نظام الرعاية الصحية الذي يتم توفير أمواله من خلال الضرائب، إلى نظام الرعاية الصحية التي تعتمد على أموال التأمينات كما في فرنسا وألمانيا.

وكانت أزمة النقل هي الازمة التالية، وهي مشكلة تثير غضب مرتادي وسائل النقل البريطانيين بصفة يومية. فقد غير بلير موقفه الذي كان قد أعلن عنه في انتخابات عام 1997 والذي كان يرى أن النقل "ليس أولوية"، وأصبح يولي اهتماما كبيرا بالقضية.

ومن بين التغييرات الجذرية ذلك الذي حدث في قطاع الاشغال والمرافق، حيث صارت الحكومة مستعدة للعب دور كبير في تطوير شبكة السكك الحديدية ومترو أنفاق لندن، في تحول واضح عن السياسة السابقة التي كانت تفضل أن يقوم القطاع الخاص بتشغيل تلك المرافق.

ويجري حاليا إخلاء الساحة للمعركة على العملة الاوروبية الموحدة (اليورو). ويقول المعلقون المقربون من بلير أنه مستعد لمواجهة التشكك الشعبي في اليورو والمراهنة بمستقبله في سبيل إقناع بريطانيا بأن مستقبلها يكمن في الاندماج مع أوروبا.

تلك هي القضية الوحيدة التي يرى "الرئيس بلير" أنها تمثل التحدي الحقيقي لمنصبه، وليس مجرد حرق ملايين من جثث الحيوانات، أو تخفيض قوائم الانتظار في المستشفيات، أو إصلاح القطارات المتهالكة، طبقا للمعلقين الذين يتحدثون مع رئيس الوزراء.

وبعد أن ينجز ذلك، ربما يصبح بلير مستعدا للتنحي جانبا والسماح لبراون بأن يصبح رئيس الوزراء فيما يخوض هو نفسه تحديا جديدا بصفته رئيسا للمفوضية الاوروبية.

ولكن، على الرغم من أنه صرح مؤخرا بأن معرفة "متى تترك المنصب" تعد سمة من سمات عظمة رجل الدولة، فإن غالبية البريطانيين يعتقدون أن "الرئيس" بلير سوف يظل في مقعده لبعض الوقت.