«الإمبراطور الأميركي» ليس عليه ثياب!

إعداد: حسين النديم

تتناول هذه المذكرة المفتوحة النقاط التالية:
1) ماذا وقع في الحادي عشر من سبتمبر 2001. إرهاب أم انقلاب؟
2) دور السياسات العسكرية النازية لحكومة أريل شارون كصاعق لصراع الحضارات.
3) حقيقة الوضع العسكري والاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسرائيل.
4)المخرج من عصر مظلم جديد يلف المجتمع الإنساني.
5) دور الحكومات والشعوب العربية في حوار الحضارات والسلام العالمي ونظام اقتصادي عالمي عادل وجديد.

1) مرت ستة شهور منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك وواشنطن ولم تفلح حكومة الولايات المتحدة الأميركية وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية إلى اليوم في تقديم دليل ملموس واحد مهما صغر حجمه على ادعائها أن أسامة بن لادن ومنظمة القاعدة المنزوية في كهوف أفغانستان المقفرة هم من خطط ونفذ تلك الهجمات. بينما تثبت جميع تطورات الأحداث صحة ما ذهبت إليه خدمتنا الأخبارية EIR ومؤسسها عالم الاقتصاد الأميركي ليندون لاروش Lyndon LaRouche، الذي ينوي ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2004، منذ اليوم الأول إلى أن ما حدث هو ليس عمل إرهابي، فليس بمقدور بن لادن أو القاعدة أو أية منظمة أو حكومة أجنبية القيام به، بل هو محاولة انقلاب تستهدف تغيير السياسة الأميركية ودورها في العالم بشكل دراماتيكي ومدمر.
وأكد لاروش ما يلي: 1) من خطط ونفذ هذه الهجمات لا بد أن يكون عنصرا مارقا من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية ذاتها، وهذا لا يعني بالضرورة تورط الإدارة والرئيس الأميركي الذين اتضح أنه كان مستهدفا ذلك اليوم سواء نفسيا أو جسديا. 2) الهدف من الضربة هذه هو وضع سياسات منظري "صراع الحضارات" و "الإمبراطورية الأنجلو- أميركية الرومانية الحديثة" موضع التنفيذ في صراع بين التحالف الأميركي – البريطاني - الإسرائيلي وبقية شعوب العالم بدءا من الأمم الإسلامية والعربية. 3) تزامن وقوع هذه الهجمات مع المرحلة الأخيرة لعملية الانهيار الشامل للنظام المالي والنقدي العالمي السائد منذ عام 1971، وأن هذه الأحداث شكلت مخرجا عسكريا للأسر والمؤسسات المالية العالمية التي بدأت تفلس بانهيار نظامها المالي والمصرفي وبدأت تفتش عن وسيلة بديلة لبسط سلطانها على العالم.
بالرغم من أننا لا نملك الأدلة القاطعة على النقطة الأولى لأننا لا نمثل المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الأميركية ولا نمتلك قدراتها، بل أن مسؤولية تقديم هذه الأدلة تقع على عاتق الحكومة الأميركية نفسها وعلى مؤسساتها، إلا أننا نرى حقيقة النقطة الثانية والثالثة تسطع سطوع الشمس في جميع تحركات المسؤولين الأميركيين وصانعي السياسات ووسائل الإعلام الأميركية والبريطانية وفي بحوث وتقارير المؤسسات البحثية وجماعات الضغط.
لقد عرضنا بالتفصيل في صفحات مجلتنا الأسبوعية والتقارير والكتب الخاصة الصادرة من عندنا مؤخرا بهذه الأحداث أسماء الأشخاص والمؤسسات والمنظمات ذات الميول الفاشية التي كانت نشطة في تهيئة الوضع السياسي والاستراتيجي لغاية وقوع تلك الهجمات والضالعة في الاستفادة من الوضعين السياسي والنفسي الذين خلقتهما هجمات 11 سبتمبر.
ويبدو أن شخصيات مثل هنري كيسنجر وزبيجنيو بريجينسكي وصامويل هنتنجتون وبيرنارد لويس وجيمس وولزي وآخرين خارج الإدارة و ريتشارد بيرل وبول وولفوويتز داخل الإدارة ومؤسسات بحثية (ثينك تانكس) مثل معهد بحوث السياسة الخارجية ومعهد اولين ومعهد كاتو ومجلس العلاقات الخارجية ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وسميث ريتشاردسون فاوندايشن واولين فاوندايشن وميلون سكيفي فاوندايشن وجماعات اللوبي الصهيوني المتمثلة في "مجموعة ميجا" المتهمة بتمويل وإدارة شبكة التجسس الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة وتمول وتدعم نشاطات مجموعة كبيرة من "مراكز البحث" الإسرائيلية وصنع القرار في واشنطن مثل معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي وأميريكان إنتربرايز إنستيتيوت ولجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، نقول أن هؤلاء الأشخاص والمؤسسات ومن لف لفهم ووسائل الإعلام المتحالفة معهم قد تحولوا من المقعد الخلفي إلى المقعد الأمامي لتوجيه السياسة الخارجية والعسكرية للولايات المتحدة منذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي. وهذا هو الجواب على "من المستفيد" من تلك الهجمات.

2) كان التهديد بإشعال "صراع حضارات" وحرب دينية ثلاثينية قائما حتى قبل هجمات 11 سبتمبر، بسبب سياسات حكومة شارون تجاه الفلسطينيين وتهديدها في صيف عام 2001 بتوسيع المواجهة لتشمل عدة دول عربية وإسلامية مثل سوريا والعراق وإيران حيث ستحاول إسرائيل استخدام أسلحة تقليدية لكن تحت مظلة التهديد باستخدام أسلحتها الذرية وجر الولايات المتحدة خلفها إلى حرب شاملة ضد الشعوب الإسلامية وربما ضد روسيا والصين أيضاً. فشارون وقيادة جيشه واليمين المتطرف الإسرائيلي بالرغم من أن لديهم أيديولوجية إرماجيدونية (أي مستمدة من فكرة يوم ارماجيدون، وهويوم القيامة) انتحارية فإنهم يبقون أداة بيد القوى الانجلو-أميركية ومجموعة ميجا الصهيونية.
ومن دلائل "الفكر الانتحاري" لشارون وقادة جيشه هو قيامهم بتطبيق الممارسات العسكرية للقوات الخاصة بالحزب النازي الألماني ضد الغيتو اليهودي في وارسوا ضد الفلسطينيين تطبيقا حرفيا، مدركين تمام الإدراك أنهم يفعلون ذلك غير آبهين برد الفعل الإسرائيلي الداخلي أو العالمي. ويبقى خطر توسيع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ليشمل دولا عربية وإسلامية أخرى قائما خاصة إذا تزايدت الضغوط على شارون أو أعطي ضوءا أخضر من الولايات المتحدة.
إن مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز حول السلام العربي الإسرائيلي إضافة إلى الحملة العربية الدبلوماسية والتضامنية مع العراق وفتح الحوار بين العراق والأمم المتحدة بشان عودة المفتشين الدوليين قد يسحب البساط مؤقتا من تحت القيادة الإسرائيلية ومن تحت ادعاءات الولايات المتحدة وبريطانيا والذرائع التي تتحججان بها أمام الرأي العام العالمي لتبرير ضرب العراق. وسيؤدي قبول العراق بعودة المفتشين، خاصة إذا تم إعلان ذلك في مؤتمر القمة، إلى أزمة علاقات عامة بين الولايات المتحدة ودول العالم. في مثل هذه الحالة قد يتم استخدام شارون لفتح النار على العراق كذريعة لتبرير دخول أميركا في هجوم عسكري على اكثر من دولة عربية وإسلامية بذريعة الدفاع عن إسرائيل.
على العرب أن لا يوهموا أنفسهم بأن القضية هي خلاف بين الرئيس العراقي صدام حسين والإدارة الأميركية أو مسألة ديمقراطية أو دكتاتورية أو إزالة أسلحة دمار شامل. فما فعله الرئيس العراقي صدام حسين وما سيفعله أو ما لن يفعله لا يرتبط بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد. القضية هي تصميم قوى معينة في الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل على إعلان الإمبراطورية الرومانية الجديدة وفرضها على العالم وخلق "صراع حضارات" كمبرر للوصول إلى ذلك الهدف. وهي مستعدة حتى لاستخدام السلاح النووي ضد شعوب آمنة لتحقيق ذلك.

4) على عكس ما كان يشاع عن صحة الاقتصاد الأميركي في السنين الخمسة الأخيرة وعن "النمو الأبدي" لاقتصاد المعلومات وغيرها من الأقاويل التي دفعت مستثمري العالم وحكوماتهم إلى ضح آلاف المليارات من الدولارات إلى السوق الأميركية، كان "الاقتصاد الفعلي" الأميركي يحتضر. البنية التحتية الأساسية الأميركية وصناعاتها التقليدية والخدمات الصحية والتعليم هي في حالة انهيار منذ أكثر من عشرين سنة. وآخر مثال على ذلك هو صناعة الحديد والصلب. وفقا لإحصائيات "اتحاد عمال الصلب في أميركا" فإن 32 شركة صلب أميركية قد أعلنت إفلاسها منذ عام 1997 ومن ضمنهم عملاقي صناعة الصلب "بيثليهيم ستيل" و "إل تي في"، وأن 17 من هذه الشركات قد تمت تصفيتها. كما أن حوالي 46700 فرصة عمل قد فقدت في هذا القطاع منذ يناير 1998. أحد رؤساء اتحاد عمال الصلب الأميركي صرح أمام مظاهرة لعمال الصلب في 20 فبراير أن 100 ألف من مجموع 600 ألف من عمال قطاع الصلب المتقاعدين قد فقدوا مساعداتهم الصحية. أما الباقون فقد يفقدون جميع معوناتهم التقاعدية إذا لم يتم إنقاذ الشركات التي كانوا يخدمون فيها. بحلول 31 مارس ستتوقف المساعدات الصحية لخمسة وثمانين ألف متقاعد من الذين كانوا يعمل في شركة "إل تي في" المفلسة.
وفي مواجهة هذا الوضع لم تعد حكومة الولايات المتحدة والكونجرس الأميركي الذين يشنون "حربا عالمية ضد الإرهاب" قادرين على التظاهر بالصحة الاقتصادية وأهم صناعاتهم مهددة بالانقراض. لذلك فقرار فرض تعريفة جمركية على واردات الصلب جاء كرد فعل على والواقع المزري الذي تعيشه إحدى أهم الصناعات الأميركية. ولا نريد أن نتوسع في الموضوع ونذكر أزمة الطاقة في كاليفورنيا وانهيار شركة انرون للطاقة الذي يعكس دجل الدجالين حول صحة الاقتصاد الأميركي. ولا نذكر أمثلة كثيرة من بريطانيا التي تجاوزها العالم الصناعي وليست قادرة حتى على تسيير شبكة سكك الحديد في البلاد. أما إسرائيل فقد استنزفت الانتفاضة طاقاتها الاقتصادية والمالية وانفجار فقاعة "الاقتصاد الجديد" وعصر المعلومات أودى بقطاع كبير من صناعة المعلومات والالكترونيات الإسرائيلية. فحسب تقديرات المحللين الإستراتيجيين، ليس بمقدور الولايات المتحدة اقتصاديا ولوجستيا خوض أكثر من حرب متوسطة واحدة على جبهة واحدة فقط.
أما على الصعيد السياسي فإن الولايات المتحدة أصبحت شبه معزولة في العالم وداخليا تواجه أزمات اقتصادية كبيرة. الحكومة البريطانية قد تسقط قبل ان تتمكن من إسقاط الحكومة العراقية بسبب المعارضة الداخلية الشديدة لسياسات رئيس الوزراء توني بلير. أما حكومة شارون الإسرائيلية التي انكشفت سياساتها الإجرامية أمام العالم باعتبارها سياسات عسكرية فاشية أثارت حتى اشمئزاز قسم كبير من المجتمع الإسرائيلي واليهودي في العالم وتواجه عصيان عسكريا بين صفوف قواتها المسلحة فقد فقدت كل مصداقية أمام الرأي العام العالمي، بينما أثبتت المقاومة الفلسطينية عجز الآلة العسكرية الإسرائيلية "الأسطورية" في تحقيق أي انتصار على الشعب الفلسطيني على الأرض.
وتحاول وسائل الإعلام الأميركية الترويج لثلاثة أمور خدمة لسياسات المجموعات المذكورة أعلاه. هذه الأمور الثلاثة هي: أ) أن الاقتصاد الأميركي بدا بالانتعاش بعد "الركود بسبب بن لادن". ب) أن الجيش الأميركي قد حقق انتصارا عسكريا في أفغانستان. ج) أن الولايات المتحدة هي الإمبراطورية الرومانية الجديدة وستضرب العراق شاء العالم أم أبى وستستخدم الأسلحة النووية ضد "الدول المارقة" إن اقتضى الأمر، ومن المستحسن لأوربا أن تساند هذه الإمبراطورية أو تلتزم الصمت.
كل هذه النقاط الثلاثة هي أكاذيب، المطلوب من ترويجها، مثلما حصل مع "التسريب" المتعمد لوثيقة البنتاجون حول "حالة التأهب النووية" الأميركية، هو تخدير الشعب الأميركي أولا وإرهاب شعوب وحكومات العالم الأخرى ثانيا وإبلاغها أن قطار الإمبراطورية الجديدة قد انطلق وأصبح أمرا واقعا لن يمكن لأحد أن يوقفه ومن يقف في الطريق سيسحق. بهذا تكون هذه القوى قد كسبت الحرب النفسية وأصابت جميع المعارضين بالإحباط واليأس.
هنا لا بد ان نذكر بقصة الكاتب الدنماركي الساخر هانس كريستيان أندرسن "ثياب الإمبراطور الجديدة". في تلك القصة يقوم نصابان (من نوع كيسنجر وروبرت كابلان الذين يحيطون بالرئيس الأميركي اليوم) بالتنكر في شخصية خياطين ويقنعان الإمبراطور المغرور المعجب دائما بمظهره بأنهما سيخيطان له ثوبا جديدا لكنه سيكون مسحورا ميزته أن من لا يراه من الوزراء والعامة فهو مغفل ولا يصلح للموقع الذي يحتله ويجب أن يعاقب او يطرد من منصبه. حتى الإمبراطور نفسه كان يخشى أن ينظر إلى الثياب الجديدة لأنه إن لم يتمكن من رؤيتها فهذا يعني أنه لا يصلح لأن يكون حاكما. لذلك بدا الجميع يتظاهر برؤية الثياب "الرائعة"، خوفا من أن يتم اتهامهم بالغباء ويطردوا من مناصبهم. حتى جاء اليوم الذي فرغ فيه الخياطان النصابان من عملهما وحصلا على مكافئات ثمينة، خرج الإمبراطور الفخور عاريا أمام شعبه مزهوا "بالثياب" الجديدة، والناس يطلقون عبارات الإعجاب بها وجمال ألوانها ودقة تصميمها. وعندما حلت لحظة صمت صاح أحد الأطفال من بين الجمهور قائلا: "لكن الإمبراطور ليس عليه أية ثياب!". فهمس كل واحد من الجمهور في أذن الآخر بما قاله الولد الصغير ثم صاحوا جميعا بصوت واحد: "لكن الإمبراطور ليس عليه ثياب".
ما أشبه هذه الصورة بما يحدث في البيت الأبيض! فالرئيس بوش يسمع كلام من حوله بأن الولايات المتحدة قد أصبحت إمبراطورية لا تقهر وتحارب الشر، ثم يردد هو ذلك الكلام لنفسه وفي الأخير يصدقه، ويفرض على الجميع تصديقه.
لا يمكن للمجتمع الإنساني الخروج من هذا المأزق إلا بقول الحقيقة، وأن يتصرف تصرف الطفل العفوي لكن الصادق. لذلك، لربما على القادة العرب المجتمعين في بيروت أن يقولوها مجتمعين أو أن يختاروا واحدا من بينهم حتى يخرج من بين الجموع ويقول لرئيس الولايات المتحدة الأميركية: يا سيادة الرئيس: إنكم لستم إمبراطورا وأميركا ليست الإمبراطورية الرومانية، بل أنتم رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأميركية التي حارب من أجلها الآباء المؤسسون وضحى عشرات الآلاف بدمائهم في الثورة على الاستعمار البريطاني وفي الحرب الأهلية حتى تصبح الولايات المتحدة "شعلة للأمل وقلعة للحرية". إننا ندرك المأزق الذي تم إيقاعك به منذ الحادي عشر من سبتمبر، لكننا لن نقبل بأقل من كشف الحقائق أمام العالم حول ما حدث وما يمكن فعله حتى نتدارك الموقف ونبحر بسفينة المجتمع الإنساني إلى بر الأمان دون حروب أو سفك دماء لان الولايات المتحدة نفسها ستكون من الخاسرين. أما إذا بقيتم تصرون على كونكم إمبراطورية فلا نطلب منكم إلا مراجعة التاريخ حتى تعرفوا ماذا حل بالإمبراطوريات الغابرة وما خلفته ورائها من دمار وعصور ظلام. أما دعاة الإمبراطورية فينبغي أن يكون مكانهم خلف القضبان أو في أحسن الأحوال في المصحات العقلية.
ليس أمام العرب ما يخسرونه إذا وقفوا وقفة شجاعة. أما إذا استسلموا "للأمر الواقع" وتم تدمير العراق فالدور سيأتي على دولة أخرى وهكذا. وقد تم الإعلان عن أسماء الدول العربية والإسلامية المستهدفة مقدما. أما بالنسبة للدول العربية التي تحس بأمان نسبي بسبب علاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة ما علينا إلا أن نذكر بما كتبته كبرى الصحف الأميركية مثل وول ستريت جورنال التي طالبت بإسقاط العائلة الملكية السعودية واحتلال آبار النفط في الخليج. الفرصة سانحة الآن للفعل، فالولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل في أضعف حالاتهم على عكس النقيق العالي الذي يصدرونه. كل ما هو مطلوب هو الصوت المجازي للصبي الصغير، وذلك لمصلحة العالم ولمصلحة الولايات المتحدة والغرب. المطلوب المزيد من التحركات في هذا الاتجاه، كما فعل الرئيس الإيراني السابق والرئيس الحالي لمجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران عندما وقف في صلاة الجمعة في طهران يوم 8 مارس آذار واستشهد بأقوال لاروش حول أحداث الحادي عشر من أيلول وذكره بالاسم. كما ذكر أسماء العتاة المارقين من أمثال هنري كيسنجر وبريجينسكي ومخططاتهم. وحذر الإدارة الأميركية من مغبة الدخول في حروب غير مجدية في الخليج، وذكرها بأولويات المجتمع العالمي التي هي محاربة الركود الاقتصادي والفقر والتعاون من أجل التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل للشعوب وتوفير الطمأنينة والأمان الاجتماعي والاقتصادي لها.

5) لقد طرحنا أمام القمة العربية السابقة في عمان مجموعة مقترحات "لسياسة اقتصادية عربية موحدة في سياق نظام عالمي وطريق حرير جديدين" أشرنا فيه إلى حقيقة الوضع الاقتصادي والمالي العالمي الذي ازداد تدهورا بنهاية العام 2001 ولا يزال ذلك الوضع قائما ولا تزال تلك المقترحات قائمة وقد تم نشرها في أكثر من صحيفة عربية وعلى مواقع الانترنيت وأرسلت إلى جميع الحكومات العربية ومؤسسات البحث المعنية. المقترحات تدعو الحكومات العربية إلى السعي الحثيث والفعال في مطالبة دول العالم الصناعية بضرورة مراجعة النظام المالي والنقدي القائم. إن هذا النظام الذي بدأ العمل به منذ عام 1971 عندما قرر الرئيس ريتشارد نكسون إلغاء نظام بريتون وودز السابق وفتح الأبواب أمام "نظام التجارة الحرة" وأسعار الصرف العائمة قد وصل إلى طريق مسدود. إذ تحول اهتمام المؤسسات المالية والنقدية والمصرفية العالمية ورجال الأعمال من بناء الاقتصاد العالمي وزيادة إنتاجية القوى العاملة ورفاهية الشعوب إلى محاولة الحصول على أكبر قدر من الأرباح بأقل جهد أو استثمار رأسمالي حقيقي طويل الأمد. وكانت المضاربة في أسعار العملات والسلع والأسهم الطريق الأسهل إلى ذلك وتحول الاقتصاد العالمي بحلول نهاية التسعينات إلى كازينو قمار هائل باسم "العولمة"، بينما أحيلت الكيانات الاقتصادية في العالم النامي وخاصة أفريقيا إلى حطام. وأهملت الاستثمارات في البنية التحتية الأساسية والتعليم والصحة ليس في العالم النامي وحده فحسب بل وحتى في الولايات المتحدة وأوروبا. أما فقاعة المضاربات المالية العالمية التي بلغ حجمها 10 مرات حجم الناتج الإجمالي المحلي لجميع أمم الأرض مجتمعة، فهي مهددة بالانفجار وليست هناك أية جهة مالية أو مصرفية في أي ركن من العالم قد فكرت في بديل.
من هذا المنطلق شن ليندون لاروش حملة عالمية لتأسيس نظام "بريتون وودز جديد" على أنقاض النظام الحالي. وقد لاقى اقتراحه ترحيبا في بعض الأوساط السياسية والاقتصادية في العالم وكان آخرها مشروع قرار تقدم به عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الإيطالي ومن أبرزهم رئيس الوزراء السابق جوليو اندريوتي يطالب الحكومة الإيطالية بالعمل على حث دول المجموعة الصناعية على تأسيس نظام مالي جديد باسم "بريتون وودز الجديد" كمخرج من الأزمة المالية والاقتصادية الحالية.
أهم أعمدة هذا النظام الجديد سيكون تثبيت أسعار الصرف للعملات الوطنية ومنع المضاربة فيها لغرض الربح وإلغاء الديون أو تجميدها وتوقيع اتفاقيات ثنائية أو جماعية طويلة الأمد (25-30 سنة) بين دول العالم وخلق آلية تقديم اعتمادات مالية وقروض ذات نسبة فائدة ضئيلة وطويلة الأمد موجهة بصورة رئيسية نحو بناء البنية التحتية الأساسية مثل الطرق وسكك الحديد وقنوات المياه وتوليد الطاقة وتحلية مياه البحر (في حالة الدول التي تعاني جفافا مزمنا) والصحة والتعليم وغيرها من المشاريع التي لا يمكن بدونها بناء أي اقتصاد حقيقي في أية دولة في العالم. ويمكن أن يندرج ضمن هذه اتفاقيات "نفط مقابل تكنولوجيا" بين الدول العربية المصدرة للنفط والدول الصناعية يتم تبادل النفط على أساسها بالمنتجات الرأسمالية والمساعدة في بناء البنية التحتية الصناعية والزراعية. ويمكن تحديد وتثبيت أسعار الطاقة بحيث تكون عادلة للمنتج والمستهلك على حد سواء. هذا سيصب في الواقع في خدمة المصالح القومية للولايات المتحدة والدول الغربية إذا أرادت أن تكون عاملا اقتصاديا أساسيا في العالم ولتبني علاقات ودية مع بقية الدول وتضمن أمنها وأمن مصالحها الاقتصادية في أرجاء العالم. هذا ما فعلته الولايات المتحدة نفسها بعد الحرب العالمية الثانية وشرعت في تنفيذ خطة مارشال التي ساعدت أوربا الغربية واليابان على إعادة بناء اقتصادياتها التي خربتها الحرب وأدى ذلك إلى فتح أسواق جديدة للصناعة الأميركية وتجارة رائجة بينها وهذه الدول. المطلوب الآن خطة مارشال عالمية
خطة مارشال العالمية هذه موجودة ومتمثلة في المشروع الذي طرحه لاروش والعاملون معه في بداية التسعينات وهو ربط القارات الثلاث أوربا وآسيا وأفريقيا عبر "جسر بري" مكون من شبكات النقل الحديثة. يسمى هذا المشروع في آسيا بالاسم الشائع "طريق الحرير الجديد" الذي يمتد من أقصى شرق الصين إلى أقصى غرب أوربا في هولندا على ثلاثة خطوط الخط السيبيري الممتد عبر الأراضي السيبيرية في شرق روسيا إلى أوربا الشرقية وخط ثاني من غرب الصين إلى آسيا الوسطى حيث يتفرع شمالا وجنوبا نحو روسيا ونحو إيران وتركيا وأوربا الشرقية وخط ثالث من الصين عبر جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية إلى إيران والعراق ثم سوريا وتركيا وأوروبا الشرقية. وبما أن العالم العربي يقع جغرافيا بين ثلاث قارات فإن استفادته من ذلك المشروع ينبغي أن تكون استفادة قصوى. ويمكن دمج الوطن العربي في شبكة سكك حديد وطرق وخطوط كهرباء وأنابيب نفط وغاز ومياه على عدة محاور من العراق جنوبا نحو الخليج وبقية شبه جزيرة العرب ومن العراق شرقا نحو سوريا والأردن وفلسطين ثم جنوبا من الأردن إلى المملكة العربية السعودية واليمن وغربا نحو مصر والسودان والمغرب العربي. هذه الاقتراحات التي تتضمن استثمارات كبيرة جدا في مجال توليد الطاقة وتحلية المياه هي جزء من "خطة الواحة" التي اقترحها لاروش للسلام والتنمية في الشرق الأوسط. حوار الحضارات لا تصارعها يمكن اعتبار هذه المشاريع الاقتصادية جزءا من حوار حضارات بين الشرق والغرب والشمال والجنوب على أساس عملي وعلمي. ولكن لا يمكن الاعتماد على النواحي المادية فقط في رسم معالم الطريق الذي ينبغي أن يسير عليه المجتمع الإنساني نحو السلام والأمن والرخاء وتحقيق مبادئ العدل على الأرض على أساس مبدأ الاستخلاف. إن الأمة العربية والإسلامية التي تعتبر جسرا بين الحضارة اليونانية وعصر النهضة الأوربية من جهة، وبين الحضارتين الصينية والهندية القديمتين والأوربية الحديثة من جهة أخرى، وصاحبة إحدى أعظم الحضارات الإنسانية تتحمل مسؤولية كبرى في نشر فكر التسامح والتآخي والمحبة بين شعوب العالم ودياناته السماوية. لكن عليها أن تدرك مدى الوهن والهبوط الذي أصاب المجتمع العربي والمسلم من قمة مجده، وأيضا أن تفهم فهما عميقا مدى الانحطاط الثقافي والأخلاقي الذي أصاب المجتمعات الغربية. فلا الدول المسيحية هي مسيحية بمعنى الكلمة ولا الدول المسلمة هي كذلك. لذلك ينبغي التعمق في البحث عن الهوية الحقيقية لهذين المجتمعين وغيرهما، ولا بد من البحث عن بعض المبادئ المشتركة التي يمكنها أن توحد رسالات الشعوب المختلفة، لا أن يكون الحوار ليبراليا نسبيا أو وضعيا حيث هنالك الآراء المختلفة فقط التي لا توصل إلى نتيجة وحيث لا مكان للمبادئ والأخلاقيات الكونية المشتركة التي ينبغي أن تجمع كل العنصر الإنساني حولها مهما اختلفت الشرائع وطرق العبادة والممارسات الاجتماعية والدينية.
تأسيس المبادئ المشتركة للحوار هو البند الأساسي في موضوع حوار الحضارات وهو ما نادى إليه الرئيس الإيراني محمد خاتمي في خطابه في الأمم المتحدة عام 2000 وطلبه تسمية عام 2001 "عام حوار الحضارات". ذات الدعوة وجهها ليندون لاروش في مؤتمر "حوار الثقافات من أجل التنمية والسلام في وادي النيل" الذي عقد في العاصمة السودانية الخرطوم في بداية عام 2001.
لذلك ينبغي أن يخرج القادة العرب بمبادرة قوية في هذا الشأن من القمة المنعقدة في بيروت. لكن يجب أن لا ينسوا النقطة المهمة: بدون قول الحقيقة لن يحدث التغيير.
***

EIR
Executive Intelligence Review
www.larouchepub.com
www.nysol.se/arabic
Tel:0046-8-983010
Fax:0046-8-983090
E-mail: eirarabic@nysol.se