«ابن المنيع» ونقد العقل الشيعي

بقلم: محمد الصادق

ثمة أزمة خطاب يعيشها التيار السلفي المتشدد في المنطقة عموماً بحيث لم يعد قادراً على مجاراة التيارات الانفتاحية في رفع شعارات التسامح والحوار سواء أكانت شيعية أم سنية. ولهذا يبدو الخطاب متخبطا ومتناقضا وغير قادر على اجتراح خطاب يتماشى مع مقتضيات العصر ابتداء من قضية الإنسان وصولاً لحرية الفكر والمعتقد.
لمن لا يعرف «ابن المنيع» فهو عبد الله سليمان المنيع عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية وهو أيضاَ كاتب مقال في جريدة الوطن السعودية. قدم من خلال كتاباته في شهر واحد رسالتين مهمتين لكن في ظني أنهما متناقضتان كما أخشى أن تكونا كذلك.
الأولى تحت عنوان «رسالتي لكل شيعي» استنكر من خلالها الخلاف الشيعي السني القائم رغم كل عوامل الوحدة الموجودة بين المذهبين، حيث حث في رسالته السنة والشيعة على النظر لما يوحد لا لما يفرق، واختار أيضاً الاجتماعات والمناظرات والحوارات كسبيل للحد من الاختلاف والفرقة في معالجة القضايا الخلافية.
حقيقةً فرحنا كثيراً عند قراءتنا المقال وقلنا في أنفسنا أخيراً استشعر أحد هيئة كبار العلماء إشعاعات الطائفية الخطيرة على الحياة الاجتماعية وضرورة تجنب آثارها.
إلا أن الفرحة لم تدم حين أطل علينا بمقال آخر تحت عنوان «عندما تغيب العقول» مستنكراً على الشيعة تصديق غيبة المهدي المنتظر مدعيا أن المهدي توفي وهو طفل أي قبل ثمانية قرون كما سخر من تصديق الشيعة لتلك العقيدة داعيا إياهم بالتعقل ونبذ الخرافة!
في ظني هنا تبرز قمة التناقض في الدعوة للحوار مع الآخر، فهو كمن مد اليد اليمنى ليسلم ثم طعن باليسرى، إذ كان يفترض منه أن يحترم عقائد الآخرين ولو ظاهرا وذلك بغض النظر عن قناعته بها.
والسؤال هنا: لماذا هذا التناقض في رسالتي «ابن المنيع» اللتين لا يفصل بينهما سوى أيام معدودة؟!
في ظني هناك أحد أمرين لا يمكنني الجزم بأيهما أرجح لهذا التناقض. الأول والذي نفهمه جيداً، هو الوضع الإيراني في المنطقة وحالة الخلاف والخصام بين إيران والسعودية مما فتح مجالاً لدى الصحفيين من الطرفين لتبادل القصف، وهو قصف مؤقت ومرحلي سيزول مع زوال السبب. أما الثاني، فهو تعرض «ابن المنيع» لضغوط التيار المتشدد من أجل التراجع والانسحاب عن خيار التسامح والحوار الذي طرحه في الرسالة الأولى، وهي بالمناسبة ليست المرة الأولى التي ينجح فيها هذا التيار في منع أو إجبار بعض رموزه على التراجع والنكوص عن تصريحات تقاربية أو لقاءات حوارية وهنالك الكثير من الأمثلة التي لا أريد ذكرها هنا.
في واقع الأمر لست في موقع رفض النقد أو ضد رغبة الشيخ في لعب دور ديكارت البلد مع أن الشيخ له اطروحات مخالفة ومناقضة للعقل كما هي وجهة نظره في اعتباره وجه المرأة عورة أو في حرمة قيادتها للسيارة أو حتى ممارستها للرياضة بناء على مبررات واهية، كما أني لست ضد التحقيق والتدقيق في كل عقيدة يمكن أن تكون خرافة مخالفة للعقل لكن بطريقة علمية لا بطريقة ساخرة كما هو حال المقال الثاني كما فعل الجابري في نقد العقل العربي وليس من باب التسطيح والسخرية كما فعل «ابن المنيع» في نقد العقل الشيعي، لاسيما أنه عضو بارز في هيئة كبار العلماء ويعرف جيداً ضرر السخرية بمعتقدات المختلف. هنالك أزمة خطاب يعيشها التيار المتشدد في المنطقة عموماً بحيث لم يعد قادراً على مباراة التيارات الانفتاحية ومجاراتها في رفع شعارات التسامح والحوار سواء أكانت شيعية أم سنية ولهذا يبدو الخطاب المتشدد متخبطا ومتناقضا وغير قادر على اجتراح خطاب يتماشى مع مقتضيات العصر ابتداء من قضية حقوق الإنسان وصولاً لحرية الفكر والمعتقد.
علمي المسبق بعدم تقبل التيار المتشدد لعلم الفلسفة وكرهه الشديد لرجالاتها لا يمنعني من طرح الفلسفة كحل. أرى في الفلسفة طوق نجاة لهذا التيار كما أرى ضرورة اختيار القطيعة المعرفية كطريق لحل سريع وناجع، والقطيعة هي سلك طريق جديد في التفكير وابتكار خطاب حديث لم يسبق استخدامه أو تجربته في التعاطي مع الفكر والمعتقد المختلف هذا إذا ما أراد هذا التيار البقاء على قيد الحياة. محمد الصادق mohamed.alsadiq@gmail.com