«أتقياء» ولكن قتلة!

لحمة المجتمع تزيد من عزلة المتطرفين

ينتمي المنفذون الثلاثة لجريمة القطيف الأخيرة التي استهدفت مسجداً للشيعة، إلى عائلتين متدينتين، كانتا لعقود تمثلان عشرات من أواخر الوهابيين الذين اختاروا أن يتمسكوا بطريقة تفكير وعيش أكثر صرامة، وبمستوى من التقوى أكثر قسوة، مما يطمح إليه نظراؤهم. ومنذ خمسينيات القرن الماضي حتى منتصف التسعينيات، وعشرات من الأشخاص من أبناء بريدة والمهاجرين إليها -يقطنها اليوم قرابة ثمانمائة ألف نسمة- هم متشبثون بنمط من العيش أصبح المؤمنون به يتناقصون عاماً بعد آخر. ربع قرن من التحولات الإقليمية المزلزلة والمحلية، وضعت بصمتها الكئيبة على أشخاص كانوا يعيشون في شبه عزلة عن مجتمعهم.

فقد اختاروا أن يعيشوا حياة تشابه إلى حد كبير ما كان آباؤهم وأجدادهم يعيشونه، من شظف العيش، والعزلة عن المجتمع، والانكفاء على النفس ودراسة كتب القدامى. كانوا أبناء حي واحد، جيراناً لثلاثة عقود. يمتهنون التجارة، ويكدحون في طلب الرزق، غالبية أبناء هذه الجماعة تحولوا بداية الألفية الجديدة إلى متعاطفين مع «القاعدة»، بعد عشر سنوات من التحولات القاسية التي تلت احتلال الكويت، حيث أصبح من المعتاد إيقاف جيلين من عائلة واحدة بتهم التعاطف مع الإرهابيين أو التستر عليهم. كانت هذه الجماعة منعزلة، يتنزه أتباعها عن وظائف الحكومة وتعليمها النظامي، ولكنهم لم يكونوا يسمحون لأيٍ كان أن يعيب أو يشكك في ولائهم العميق لولي الأمر. كانوا حنابلة حقيقيين أوفياء لطريقة أسلافهم. ولأنهم كانوا غرباء، فقد كان عدم حملهم لبطاقة الهوية إمعاناً في غرابتهم، تضفي عليهم هالة أسيفة، وكأنهم لم يوجدوا أصلاً. مع الألفية الجديدة أصبحت هذه السمة أخطر أسلحتهم.

بعد أكثر من ربع قرن يبدو كل شيء من الأسس التي كانت تمثل العمود الفقري لفكر هذه الجماعة قد تغير إلى الأبد، فالملِك لم يعد في عقيدتهم مستَقراً للهيبة والولاء، والإخبات والتقلل من الدنيا، والتعفف عن ذكر الآخرين بما لا يحبونه من هُجر القول، الأمر الذي كان يسبب للواحد منهم تنغيص عيشه وقلق مرقده، قد أصبح أسطورة تحكى، بعد أن غدا قتل الأقارب والأرحام قرباناً، واستباحة الدماء اجتهاداً فاعله بين الأجر والأجرين.

القصد من عرضي لهذه الخلفية الاجتماعية والدينية للمجرمين هي الإشارة إلى التحول الذي يفاجئ المجتمع والمعنيين بهذه الظاهرة. فالتأكيد الذي يتكرر كثيراً حول وضع السلفية التقليدية في مقابلة تضاد/ عداء مع السلفية الحركية التي توظف الدين لبلوغ أهدافها السياسية متذرعة بعقائدها الدينية، هو أمر لا يمكن فهمه. فهما شيء واحد، في العقيدة، ومفهوم الإيمان، في النواقض، والضوابط، والموانع. بينهما اختلاف في ترتيب الأولويات لا أكثر.

أكثر من ثمانين عاماً لايمكنك أن تجد فصلاً حقيقيا بين الحركيين السلفيين، وبين الخاملين من السلفيين، فكل مالدينا هو التنوع داخل البيت الواحد. ولهذا فإن فتاوى بعض الفقهاء التقليديين بوجوب قتل من لايصلي وإن كان يشهد الشهادتين، وأنه مرتد حلال الدم والمال وزوجته لاتحل له، وحملها منه هو زنى محرم، هي ليست أقل خطورة عن من يفتون بجواز العمليات الانتحارية.

منصور النقيَّدان

باحث سعودي